All for Joomla All for Webmasters
عبد العزيز آل الشيخ مفتي السعودية

الجماع في نهار رمضان ….ما هو حكمه وكفارته؟

الجماع في نهار رمضان ….ما هو حكمه وكفارته؟

الواجب على المؤمن والمؤمنة احترام أوامر الله ونواهيه، في رمضان وفي غيره، وليس للمؤمن أن ينتهك حرمة رمضان ولا أي حرمة حرمها الله، بل الواجب على المسلم وعلى كل مسلمة الالتزام بشرع الله، والحذر من محارم الله، وقد حرم الله على المسلمين تعاطي الجماع في رمضان، في نهار رمضان في الصيام، فليس للزوج أن يطأ زوجته، لا بالرضا ولا بالإكراه في نهار رمضان، وليس لها أن تطيعه في ذلك، بل يجب أن تمتنع غاية الامتناع، وألا تمكنه من ذلك سخط أو رضي، ويجب عليه الامتناع من ذلك، وليس له الإقدام عليه؛ لأنه محرم على الجميع، وفي الليل غنية والحمد لله، حرمه في النهار وأباحه في الليل، ففي الليل غنية والحمد لله، وإذا فعلا ذلك وتعمدا ذلك وجب عليهما التوبة ووجب عليهما الكفارة مع قضاء اليوم، إذا جامعها في رمضان وجب عليه قضاء اليوم وقد أتى معصية عظيمة وكبيرة من الكبائر، وإذا كانت راضية كذلك، شاركته في الإثم والمعصية، وعليهما التوبة جميعاً، وقضاء اليوم الذي فعلا فيه الفاحشة.. المعصية، وعليهما الإمساك لا يأكلان ولا يشربان يمسكان؛ لأن الوقت محترم، الواجب الإمساك مع قضاء اليوم، مع التوبة الصادقة عما وقعا فيه، والعزم ألا يقع منهما ذلك في المستقبل، وعليهما الكفارة وهي: عتق رقبة مؤمنة على كل واحد، فإن عجزا فصيام شهرين متتابعين على كل واحد، فإن عجزا فإطعام ستين مسكيناً على كل واحد، ثلاثين صاع، لستين مسكيناً كل مسكين له نصف الصاع كيلو ونص تمر أو رز على كل واحد منهما، يعني: ستين صاع على اثنين.

 

المقدم: هذا إذا عجزا عن الصيام؟

الشيخ: إذا عجزا عن الصيام والعتق، وعليهما التوبة الصادقة مما فعلا، وإذا كان أكرهها إكراهاً لا شبهة فيه بالقوة والضرب أو بالقيود فالإثم عليه ولا شيء عليها هي..، وهو الذي عليه الكفارة؛ لأنه هو الظالم، أما إذا تساهلت معه، فعليهما الكفارة جميعاً، والقضاء جميعاً، والتوبة إلى الله ، توبة صادقة أن لا يفعلا هذا في المستقبل، مع قضاء اليوم وإمساكه، إمساك اليوم الذي فعلا فيه المنكر ومع قضائه بعد ذلك، والله المستعان.

المقدم: الله المستعان الواقع -سماحة الشيخ- كل واحدة منهن تذكر أنها مكرهة، لكن أنتم تذكرون أن الإكراه لابد أن يكون عن طريق الضرب أو عن طريق القيود وما أشبه ذلك.

الشيخ: يعني الحقيقي، الإكراه الحقيقي.

المقدم: إذا لم يصل الإكراه إلى هذا المستوى؟

الشيخ: مجرد أنها كرهت وطاوعت ما تصير مكرهة، نعم، الواجب أن تأبى عليه إباءً كاملاً. نعم.

المقدم: بارك الله فيكم، إذاً لابد من الكفارة والحالة هذه؟

الشيخ: نعم.. نعم، إلا أن يكون أكرهها إكراهاً جبرياً ولا حيلة لها فيه، والله يعلم منها أنها لا حيلة لها.

المقدم: جزاكم الله خيراً.

 

كفارة الجماع في نهار رمضان:

ما يبطل الصيام ويوجب القضاء والكفارة، فهو الجماع لا غير، فإذا جامع الرجل زوجته في نهار رمضان متعمداً غير ناسٍ مختاراً عالماً بالتحريم بدون عذر، فسد صومه وعليه القضاء والكفارة، وهذا باتفاق أصحاب المذهب الأربعة.

أما جامع الرجل زوجته في ليل رمضان فهذا جائز، قال تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ﴾ [البقرة: 187]. معنى الرفث في الآية: الجماع.

 

كفارة الجماع:

كفارة الجماع هي: عتق رقبة، فمن لم يجد ما يعتق به فعليه صيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع الصوم فعليه إطعام ستين مسكيناً، فعن أَبَي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه، قَالَ: ” بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلَكْتُ، قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَكَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ (وعاء يشبه القفة)، قَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: أَنَا، قَالَ: خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ (أي ما بين طرفي المدينة) أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ ” (رواه البخاري ومسلم).

 

ملاحظات:

1- كفَّارة من جامع في نهار رمضان تكون على الترتيب، فلا ينتقل إلى صيام الشهرين المتتابعين إلا إذا عجز عن عتق الرقبة، ولا يطعم ستين مسكينًا إلا إذا عجز عن الصيام، وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وأفتى به ابن باز، وابن عثيمين، وعليه فتوى اللجنة الدائمة.

2- قال الأستاذ الدكتور وهبة الزُّحَيْلِيّ في كتابه الفقه الإسلامي وأدلته: ” الكلام في إعتاق الرقبة في كفارة اليمين وغيرها تاريخي فقط بسبب عدم وجود الرقيق في عصرنا “.

وقال الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد: ” فك الأسير لا يعتبر عتق رقبة؛ لأنه لم ينقلها إلى الحرية، ولكن هذا فداء وتخليص من ولاية الكفار، ولا شك أن فيه أجراً عظيماً، لكن لا يقال له عتق، ولا يجزي في الكفارة “, وعليه من جامع في نهار رمضان يكون حكمه ابتداءً على قول الجمهور صيام شهرين متتابعين، فإن عجز عن الصيام كان له إطعام ستين مسكيناً.

 

3- يجب على من جامع زوجته في نهار رمضان التوبة مما ارتكبه من عظيم الإثم، والواجب عليه أن يبادر بالكفارة وهي عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن عجزَ أطعم ستين مسكيناً، فالكفارة واجبةٌ على الفور على الصحيح، ولا يجوزُ تأخيرها إلا لعذر. قال الإمام النووي رحمه الله في المجموع: ” وأما الكفارة فإن كانت بغير عدوان ككفارة القتل الخطأ وكفارة اليمين في بعض الصور فهي على التراخي بلا خلاف لأنه معذور. وإن كان متعدياً فهل هي على الفور أم على التراخي؟ فيه وجهان حكاهما القفال والأصحاب: أصحهما على الفور “.

وقال الإمام الزركشي رحمه الله في المنثور: ” هل تجب على الفور؟ – يعني الكفارة – إن لم يتعد بسببه فعلى التراخي وإلا فعلى الفور “.

 

وبما أن كفارة الجماع وجبت بسبب تعدٍ وهو الجماع في نهار رمضان، كانت الكفارة على الفور إلا لعذر. فليحرص من وجبت عليه كفارة الجماع على عدم تأخيرها حتى مجيء رمضان الثاني لغير عذر، وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن صائم جامع زوجته في نهار رمضان، فأجاب: ” إذا كان قادراً على الصيام فإن عليه صيام شهرين متتابعين، فالرجل إذا عزم على الشيء هان عليه، أما إذا منَّى نفسه الكسل وتثاقل الشيء فإنه يصعب عليه. الحمد لله الذي جعل في هذه الدنيا خصالاً نعملها تُسقط عنا عقاب الآخرة، فنقول للأخ: صُم شهرين متتابعين إذا كنت لا تجد رقبة واستعن بالله، وإذا كان الوقت الآن حارًّا والنهار طويلاً، فلك فرصة لأن تؤخره إلى أيام الشتاء أيام قصيرة والجو بارد “.

 

4- ينبغي على المسلم الذي وجبت عليه كفارة الجماع إذا لم يجد رقبة يعتقها أن يصوم شهرين متتابعين، ويشترط التتابع، فإذا أكل أو شرب أو جامع زوجته في نهار أحد أيام صيام الكفارة، انقطع التتابع، ووجب عليه أن يعيد صيام الشهرين المتتابعين من جديد.

5- من الأمور التي لا تقطع التتابع لمن صام شهرين متتابعين كفارة للجماع في نهار رمضان:

أ‌- دخول شهر رمضان، فمن بدأ في الصوم ثم أدركه رمضان، صام رمضان وأفطر يوم العيد ثم أكمل صوم الشهرين، ولا يبدأ الصوم من أوله؛ لأن صوم رمضان لا يقطع التتابع.

ب‌- دخول الأيام التي يحرم صيامها، فمن دخل عليه يوم يحرم فيه الصوم كيومي العيدين وأيام التشريق فإنه يفطر فيهم، ثم يكمل الشهرين.

ت‌- حدوثُ الحيضِ أو النفاس.

ث‌- الإفطار لعذر يبيحه كالسفر لحاجة أو المرض الذي لا يقوى به صاحبه على الصيام أو الحمل أو الإرضاع مع عدم القدرة على الصيام.

ومن الجدير بالذكر أنه لو سافر من أجل الفطر فإنه يقطع التتابع؛ لأنه حيلة والحيل لا تسقط الواجب.

ج‌- الإغماء طيلة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في يوم نوى صيامه أو عدة أيام؛ لأنه أفطر بسبب لا دخل له فيه,قال الإمام الحجاوي الحنبلي رحمه الله في زاد المستقنع: ” يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الصَّوْمِ، فَإِنْ تَخَلَّلَهُ رَمَضَانٌ، أَوْ فِطْرٌ يَجِبُ، كَعِيدٍ، وَأَيَّامِ تَشْرِيقٍ، وَحَيْضٍ، وَجُنُونٍ وَمَرَضٍ مَخُوفٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ أَفْطَرَ نَاسِياً، أَوْ مُكْرَهاً، أَوْ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ لَمْ يَنْقَطِع “.

 

6- يجوز بداية صيام الشهرين المتتابعين من بداية الشهر أو من منتصفه، فإذا بدأ من أوله فإنه يصوم الشهرين على حسب الهلال سواءً كان الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين.

وإذا بدأ من منتصف الشهر فإنه يصوم بقية ذلك الشهر ويصوم الشهر الذي بعده بالهلال ثم يكمل من الشهر الثالث بقية منتصف الشهر الأول حتى يتم ثلاثين يوماً، فيكون قد صام شهر حسب رؤية الهلال وشهر بالعدد ثلاثين يوماً، وهذا مذهب جمهور العلماء. وإن بدأ من أثناء شهر فصام ستين يوماً أجزأه ذلك بغير خلاف.

 

مسألة: في حالة أداء كفارة الجماع الإطعام، هل يشترط إطعام ستين مسكيناً أم يجوز إخراج الكفارة لمسكين واحد؟

اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: لا يجوز إخراجها إلا لعدد ستين مسكيناً، وهذا قول جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يجزئ عندهم إطعام ستة مساكين عشرة أيام مثلاً، ولا مسكيناً واحداً ستين يوماً، ولا غير ذلك، فلا بد من إطعام ستين مسكيناً على قول الجمهور.

قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار:

” قال ابن دقيق العيد: أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستين فلا يكون ذلك موجوداً في حق من أطعم ستة مساكين عشرة أيام مثلاً، وبه قال الجمهور. وقالت الحنفية: إنه لو أطعم الجميع مسكيناً واحداً في ستين يوما كفى “.

وأفتت اللجنة الدائمة بأنه: ” وإن كان الإفطار بجماع ففيه التوبة وقضاء ذلك اليوم، والكفارة هي عتق رقبة مؤمنة، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. وإذا صار إلى الإطعام لعجزه عما قبله من العتق والصيام جاز أن يدفع الطعام إلى المساكين دفعة واحدة، وأن يفرقه على دفعات حسب الإمكان، لكن لا بد من استيعاب عدد المساكين، ولا يجوز دفع الإطعام في الكفارة إلى الأصول وهم الآباء والأمهات والأجداد والجدات، ولا إلى الفروع وهم الأولاد وأولاد الأولاد من الذكور والإناث “.

فائدة: لا يجب إطعام الستين مسكيناً في وقت واحد، بل له أن يطعم مسكيناً ثم في وقت آخر يطعم غيره وهكذا، حتى يتم إطعام الستين.

القول الثاني: يجوز إخراج الكفارة لمسكين واحد، ولكن لا يجوز أن تدفع له دفعة واحدة، بل لابد من إطعامه إياها في ستين يوماً، وهذا قول الحنفية؛ لأن تجدد الحاجة كل يوم يجعله كمسكين آخر فكأنه صرف القيمة لستين مسكيناً.

 

قال الإمام السرخسي الحنفي في كتابه المبسوط:

” ولو أطعم الطعام كله مسكيناً واحداً لم يجزه في دفعة واحدة؛ لأن الواجب تفريق الفعل بالنص فإذا جمع لا يجزيه إلا عن واحد، كالحاج إذا رمى الحصيات السبع دفعة واحدة، ولو أعطاه في ستين يوماً أجزأه عندنا، ولا يجزئه عند الشافعي رحمه الله تعالى؛ لأن الواجب عليه بالنص إطعام ستين مسكيناً، والمسكين الواحد بتكرار الأيام لا يصير ستين مسكيناً فلا يتأدى الواجب بالصرف إليه “.

 

مسألة: إذا جامع الرجل زوجته في نهار رمضان، وكانت طائعة فهل عليها كفارة مثله؟

اختلف أهل العلم في ما إذا جامع الرجل زوجته وكانت طائعة مختارة، على قولين:

القول الأول: عليها القضاء والكفارة مثل الرجل، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وقول الشافعية، ورجحه ابن باز، وابن عثيمين، وعليه فتوى اللجنة الدائمة؛ لأن الأحكام الشرعية تستوي فيها المرأة مع الرجل، ما لم يدل دليل عل خلافه، والمرأة هتكت صوم رمضان بالجماع فوجب عليها القضاء والكفارة، ولأن الكفارات لا يُتشارك فيها، فكل منهما حصل منه ما ينافي الصيام من الجماع، فكان على كل منهما كفارة.

القول الثاني: عليها القضاء دون الكفارة، وهذا قول الشافعية في المعتمد من مذهبهم ورواية عن أحمد؛ لأن النبي أمر الواطئ بالكفارة كما في الحديث السابق، ولم يأمره بأن يأمر زوجته بإخراج الكفارة أيضاً، ومن المعلوم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فدل على أنه لا كفارة عليها.

 

مسألة: ما حكم صوم المرأة إذا أجبرها زوجها على الجماع في نهار رمضان؟

يحرم على الزوج أن يجامع زوجته في نهار رمضان، ولا يجوز للزوجة أن تُطاوع زوجها على الجماع؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن كان الزوج يعلم بحرمة الجماع وأجبر زوجته على الجماع أثم إثماً كبيراً وعليه القضاء والكفارة، وقال المالكية عليه كفارتان عنه وعنها.

أما الزوجة المُكرَهَة على الجماع، فقد اختلف أهل العلم في حكم صيامها ووجوب الكفارة عليها، وعلى قول جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية في أحد القولين عندهم والحنابلة في الصحيح من مذهبهم واختاره ابن باز وعليه فتوى اللجنة الدائمة، فإن صومها قد بطل وعليها القضاء فقط ولا كفارة عليها.

قال الشيخ ابن باز رحمه الله رداً على سؤال حكم من أكرهها زوجها على الجماع: ” إذا كان أكرهها إكراهًا لا شبهة فيه بالقوة والضرب أو بالقيود فالإثم عليه، ولا إثم عليها هي، هو الذي عليه الكفارة؛ لأنه هو الظالم، أما إذا تساهلت معه فعليهما الكفارة جميعًا، والقضاء جميعًا، والتوبة إلى الله سبحانه وتعالى توبة صادقة ألاّ يفعلا هذا في المستقبل، مع قضاء اليوم وإمساكه؛ إمساك اليوم الذي فعلا فيه المنكر، مع قضائِه بعد ذلك، والله المستعان، أما مجرد أنها أكرهت وطاوعت ما تصير مكرهة، الواجب أن تأبي عليه إباء كاملاً كما ذكرنا، وإن كان زوجها أكرهها إكراهًا جبريًّا، ولا حيلة لها فيه، والله يعلم منها أنها لا حيلة لها فإن الكفارة تسقط عنها وعليها القضاء “.

 

مسألة: ما حكم من جامع زوجته في نهار رمضان جاهلاً؟

الجهل على ثلاث أقسام:

1- الجهل بحرمة الجماع:

فإذا جامع الرجل زوجته في نهار رمضان جاهلاً بحرمة الجماع، فلا كفارة عليه على قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية.

ولكن اشترط المالكية والشافعية أن يكون الجاهل غير متمكن من تعلم الأحكام الشرعية، كحديث الإسلام الذي لا يزال في بلاد الكفر، أو الناشئ في بادية بعيدة، أما إذا كان الجاهل متمكن من تعلم الأحكام الشرعية فقصر كمن يعيش بين المسلمين فعليه الكفارة عند المالكية والشافعية.

قال الإمام النووي في المجموع: ” إذا أكل الصائم أو شرب أو جامع جاهلاً بتحريمه -فإن كان قريب عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة بحيث يخفى عليه كونه مفطراً- لم يفطر، لأنه لا يأثم، فأشبه الناسي الذي ثبت فيه النص، وإن كان مخالطاً للمسلمين بحيث لا يخفى عليه تحريمه أفطر لأنه مقصر”. وقال الإمام الدَّرْدِيرُ المالكي في الشرح الكبير: “ورابعها – أي موجبات الكفارة – أن يكون عالماً بالحرمة، فجاهلها كحديث عهد بإسلام ظن أن الصوم لا يحرم معه الجماع فجامع فلا كفارة عليه”.

أما من حيث وجوب القضاء على الجاهل بحرمة الجماع خلاف عند أهل العلم، فالشافعية قالوا: من يعذر بجهله لا قضاء عليه، وجاء في عدم وجوب القضاء رواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وأفتى بذلك ابن عثيمين.

وأوجب المالكية والحنابلة القضاء على الجاهل وأفتى بذلك ابن باز وعليه فتوى اللجنة الدائمة. وعليه فإن من الأحوط أن يقضي، والله اعلم.

2- الجاهل بحرمة الوقت:

فإذا جامع الرجل زوجته ظاناً أن الفجر لم يطلع فلما انتهى تبين له أن الفجر قد طلع أو جامعها ظاناً غروب الشمس فتبين له أن الشمس لم تغرب بعد، فعليه القضاء عند جماهير أهل العلم، قال الإمام النووي في المجموع: ” إذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ ظَانًّا غُرُوبَ الشَّمْسِ أَوْ عَدَمَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَبَانَ خِلَافُهُ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانِ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وأحمد وأبو ثور والجمهور “.

أما من حيث وجوب الكفارة، فجمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية قالوا: لا تجب عليه الكفارة لجهله بحرمة الوقت.

3- الجاهل بحكم الكفارة:

فإذا جامع الرجل زوجته جاهلاً بحكم الكفارة مع علمه بحرمة الجماع، فلا يعذر بجهله، ولا تسقط عنه الكفارة، قال الإمام الزركشي الشافعي في المنثور: “لو قال: علمت تحريم الجماع، وجهلت وجوب الكفارة، وجبت بلا خلاف، ذكره الدارمي وغيره، قال النووي في شرح المهذب: هو الراجح”.

وقال الإمام الدَّرْدِيرُ المالكي في الشرح الكبير: ” وأما جهل وجوبها – يعني الكفارة – مع علم حرمته فلا يسقطها “.

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ” الرجل الذي أتى أهله في نهار رمضان، إذا كان جاهلاً بالحكم يظن أن الجماع المحرم هو ما كان فيه إنزال، فإنه لا شيء عليه، أما إذا كان يدري أن الجماع حرام، ولكنه لم يعرف أن فيه الكفارة فإن عليه الكفارة، لأن هناك فرقاً بين الجهل بالحكم وبين الجهل بالعقوبة، فالجهل بالعقوبة لا يعذر به الإنسان والجهل بالحكم يعذر به الإنسان، ولهذا قال العلماء: لو شرب الإنسان مسكراً يظنُّ أنه لا يُسكر أو يظن أنه ليس بحرام فإنه ليس عليه شيء، ولو علم أنه يسكر وأنه حرام ولكن لا يدري أنه يُعاقب عليه، فعليه العقوبة ولا تسقط عنه “.

 

مسألة: ما حكم من جامع زوجته في نهار رمضان ناسياً؟

إذا جامع الرجل زوجته في نهار رمضان ناسياً فلا كفارة عليه، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، وابن باز، وابن عثيمين، واللجنة الدائمة.

أما من حيث وجوب القضاء عليه فقد اختلف أهل العلم، جمهور العلماء من (الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والصنعاني، والشوكاني، وابن باز، وابن عثيمين، واللجنة الدائمة) قالوا: لا قضاء عليه.

وأوجب المالكية والحنابلة في المشهور من مذهبهم عليه القضاء. وعليه فإن قضى اليوم الذي جامع فيه ناسياً فهو الأحوط، والله أعلم.

 

مسألة: ما حكم من تكرر منه الجماع في رمضان؟

1- من تكرر منه الجماع في يوم واحد يكفيه كفارة واحدة إذا لم يُكفِّر، بلا خلاف بين أهل العلم؛ وذلك لأنه أبطل صيام يوم واحد ولم يُكفِّر، فتتداخل الكفارات لأن الموجب لها واحد.

2- أما إذا تكرر منه الجماع في يوم واحد وكفر عن الأول فلا تلزمه كفارة ثانية، عند الجمهور: أبي حنيفة ومالك والشافعي؛ وذلك لأنه لم يصادف صوما منعقداً، فلم يوجب شيئاً، بخلاف المرة الأولى، فالجماع الثاني ورد على صوم غير صحيح، فهو لا يسمى صائماً.

3- إن تكرر منه الجماع في يومين فأكثر فتلزمه كفارة لكل يوم جامع فيه سواء كفر عن الجماع الأول أم لا، ذهب إلى ذلك جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة؛ وذلك لأن صوم كل يوم عبادة منفردة مستقلة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل.

ملاحظة:

من وطئ زوجته في الدبر فقد ارتكب فعلاً شنيعاً محرماً وهو ملعون لا ينظر الله إليه يوم القيامة، وإذا فعل ذلك في نهار رمضان فسد صومه وعليه القضاء والكفارة كما في الجماع، وهذا باتِّفاق المذاهب الفقهيَّة الأربعة.

 

مسألة: إذا أفطر الرجل يوماً من رمضان لعذر كسفر أو مرض، ولما قضاه بعد رمضان جامع زوجته في نهار اليوم الذي يقضي فيه، فهل عليه كفارة؟

وإذا صامت المرأة بعد رمضان لتقضي ما فاتها زمن الحيض في رمضان، فجامعها زوجها أثناء النهار، فهل عليها كفارة؟

من جامع في قضاء رمضان عامداً فعليه القضاء فقط ولا كفارة عليه، وهذا باتفاق المذاهب الفقهيَّة الأربعة؛ وذلك لانعدام حرمة الشهر؛ ولأن النص بوجوب الكفارة ورد فيمن جامع في نهار رمضان لا في غيره.

قال الإمام ابن عبد البر المالكي في كتابه التمهيد: ” وأجمعوا على أن المجامع في قضاء رمضان عامداً لا كفارة عليه حاشا – ما عدا – قتادة وحده “.

وقال الإمام النووي الشافعي في كتابه المجموع: ” لو جامع في صوم غير رمضان من قضاء أو نذر أو غيرهما فلا كفارة كما سبق، وبه قال الجمهور “.

 

مسألة: هل تسقط كفارة الجماع عن من عجز عنها؟

سبق أن بينا أنه يجب على من جامع زوجته في نهار رمضان متعمداً ذاكراً مختاراً عالماً بالتحريم أن يعتق رقبة، فإن لم يستطع فليصم شهرين متتابعين، فإن عجز عن ذلك فليطعم ستين مسكيناً.

فإذا عجز عن الإطعام، اختلف أهل العلم في حاله على قولين:

القول الأول: لا تسقط عنه كفارة الجماع وتبقى في ذمته، وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية في الأظهر عندهم ورواية عن أحمد.

القول الثاني: تسقط عنه كفارة الجماع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الأعرابي أن يطعم أهله، ولم يأمره بكفارة أخرى ولا بين له بقاءها في ذمته، وهذا مذهب الحنابلة، والشافعية في قول، واختاره الشيخ ابن باز، والشيخ ابن عثيمين، وبه أفتت اللجنة الدائمة.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كتابه الشرح الممتع:

” والقول الراجح أنّها تسقط، وهكذا أيضاً نقول في جميع الكفارات، إذا لم يكن قادراً عليها حين وجوبها فإنها تسقط عنه “.

عن احمد يعقوب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*