يعاني الكثيرون من تزامن مزعج بين آلام الرقبة وأوجاع الكتف، وهي حالة قد تنشأ نتيجة لتعرض الجسم لإصابة مباشرة أو بسبب تراكم الإجهاد بمرور الوقت. يؤدي هذا التداخل في الألم إلى تقييد ملحوظ في القدرة على الحركة، مما يلقي بظلاله السلبية على سير الحياة اليومية والأنشطة المعتادة. وللتعامل مع هذه المعضلة بشكل صحيح، لا بد أولاً من فهم مسبباتها الحقيقية قبل البدء في أي إجراء علاجي، حيث تتعدد العوامل التي تثير هذا النوع من الأوجاع وتتنوع مصادرها.

من أبرز هذه الأسباب ما يُعرف بالانزلاق الغضروفي في الفقرات العنقية؛ فالعمود الفقري في منطقة الرقبة يحتوي على وسائد غضروفية تفصل بين الفقرات. وعندما تبرز المادة الهلامية الموجودة داخل هذه الأقراص وتخرج عن مسارها الطبيعي، فإنها تضغط على الأعصاب المحيطة، مولدة شعوراً بالألم والضعف يمتد ليشمل الرقبة والكتف والعمود الفقري بأكمله. ونظراً لتباين درجات هذه الإصابة، تستدعي الحالة عادةً مراجعة طبيب مختص لتقييم الوضع بدقة ووضع خطة علاجية مناسبة للسيطرة على الألم ومنع تفاقمه.

كما تلعب العضلات دوراً رئيسياً في هذه المعادلة، نظراً لوجود شبكة عضلية مترابطة تصل بين الرقبة والكتف، مثل العضلة الرافعة للكتف وشبه المنحرفة. وأي إجهاد يطال هذه العضلات، سواء كان ناتجاً عن ممارسة التمارين الرياضية أو طبيعة العمل الشاقة التي تتطلب مجهوداً من الجزء العلوي للجسم، قد يؤدي إلى تيبس وألم شديدين. لذا، يُنصح دائماً بالاهتمام بتمارين الإحماء والإطالة بشكل سليم قبل القيام بأي مجهود بدني لتجنب هذا النوع من الشد العضلي.

ولا يمكن إغفال تأثير نمط الحياة العصري على صحتنا الجسدية، حيث يقضي أغلبنا ساعات طويلة جالسين خلف المكاتب، أو منحنيين لمتابعة الهواتف الذكية والرسائل الإلكترونية، أو حتى أثناء فترات القيادة الطويلة. هذا الجلوس المستمر بوضعية جسدية غير سليمة يشكل عبئاً كبيراً وتوتراً زائداً على الجسم، مما يترجم في النهاية إلى أوجاع مزمنة تتركز في أعلى الظهر والرقبة والكتفين نتيجة لتلك العادات الخاطئة.

بالإضافة إلى ذلك، تأتي التغيرات الطبيعية المرتبطة بالتقدم في العمر كأحد المسببات الشائعة، وهو ما يعرف بداء الفقار العنقي أو تنكس الأقراص. فمع مرور الزمن، قد تتعرض فقرات العمود الفقري للتآكل والتدهور، مما يؤدي أحياناً إلى التهاب أو انضغاط في الجذور العصبية، مسبباً ألماً ينتشر بوضوح من منطقة الرقبة باتجاه الكتف. وفي سياق آخر، قد تكون الإصابات الرياضية والاصطدامات العنيفة سبباً مباشراً فيما يُعرف بإصابة “اللسعة”، والتي تحدث عند انثناء الرقبة بقوة وبشكل مفاجئ لجانب واحد. هذا التمدد المفرط للأعصاب الرابطة بين العنق والكتف يولد إحساساً حاداً يشبه الصعقة الكهربائية يمتد على طول الذراع، وقد يصحبه شعور بالتنميل أو ضعف مؤقت في العضلات.