تتجاوز جاذبية الساحرة المستديرة مجرد الركض خلف الكرة أو استعراض المهارات الفردية، فالجماهير العاشقة هي من تنسج أساطير اللاعبين، وتمنحهم ألقاباً تخلد في ذاكرة الملاعب متجاوزة حدود الزمن وصافرات النهاية. وتزخر ملاعبنا المصرية بقصص فريدة لنجوم ارتبطت أسماؤهم بأوصاف وحكايات تناقلتها الأجيال المتعاقبة. ومع نفحات هذا الشهر الفضيل، نغوص في أعماق هذه الذكريات الكروية لنستحضر إحدى أبرز تلك الروايات، وهي قصة الحارس الأسبق للقلعة الحمراء أحمد شوبير، الذي عُرف بلقب ذي دلالة عميقة وهو “أيوب”.
لم يأتِ هذا الوصف الاستثنائي من فراغ، بل كان تتويجاً لرحلة شاقة من الانتظار والجلد. فقد بدأت حكايته عندما انضم إلى صفوف النادي الأهلي قادماً من فريق طنطا أواخر السبعينيات، ليصطدم بواقع صعب يتمثل في وجود عملاقين يحرسان العرين، هما الراحل ثابت البطل وإكرامي. وعلى مدار أكثر من سبع سنوات كاملة، ظل الحارس الشاب قابعاً في الظل كخيار ثالث. ورغم الإغراءات المتكررة والعروض العديدة التي طرقت بابه للرحيل وضمان المشاركة الأساسية في أندية أخرى، فإنه فضل التشبث بحلمه رافضاً التخلي عن قميص ناديه. هذا الإخلاص النادر والمثابرة الصامتة في التدريبات دفعا عشاق الفريق لإطلاق لقب “أيوب الكرة المصرية” عليه، في إشارة إلى صبره المذهل الذي قاده في النهاية لاعتلاء قمة حراسة المرمى في القارة السمراء.
وجاءت اللحظة الفارقة لتكافئ هذا الصبر الطويل في منتصف عام 1984، حينما وقف لحماية شباك فريقه لأول مرة أمام النادي الأوليمبي. في ذلك اليوم، أثبت جدارته في لقاء حُسم بثلاثية نظيفة لصالحه فريقه، ليكتب شهادة ميلاده الحقيقية كحارس أول للمارد الأحمر ومن ثم للمنتخب الوطني. ولم تتوقف محطاته المضيئة عند هذا الحد، بل تجلت بطولته بشكل استثنائي في نهائي كأس مصر بالعام التالي، عندما قررت إدارة النادي خوض الموقعة التاريخية أمام الغريم التقليدي الزمالك بفريق من الشباب. في تلك الأمسية، نصب شوبير نفسه بطلاً للملحمة بتصديه الحاسم لركلة جزاء، مساهماً بقوة في اقتناص اللقب بعد مباراة مثيرة.
ولم تكن علاقة هذا الحارس بكيان ناديه مجرد ارتباط احترافي عابر، بل تحولت إلى عشق متأصل عبر عنه بموقفه الثابت ومقولته الخالدة التي طالما رددها لإغلاق الباب أمام أي تكهنات كلما حان موعد التفاوض لتجديد بقائه، مؤكداً بعبارة قاطعة أن “عقده مع النادي أبدي”. تلك الكلمات الصادقة لم تكن سوى انعكاس حقيقي لمسيرة لاعب بدأها بصبر مضرب للأمثال، وأنهاها بوفاء مطلق لجدران صنع داخلها تاريخه وأمجاده.
التعليقات