مع حلول موعد الإفطار وانقضاء ساعات الصيام الطويلة، يكون الجسم في حالة من الترقب والحساسية الشديدة لاستقبال الغذاء، حيث تكون مخازن الطاقة قد استنفدت وانخفضت مستويات الجلوكوز في الدم إلى أدنى معدلاتها. وفي هذه اللحظات الحاسمة، يقع الكثيرون في فخ العادات الغذائية غير المحسوبة التي تحول نعمة الإفطار إلى عبء صحي ثقيل، إذ تتسبب بعض التصرفات في حدوث قفزات عنيفة ومفاجئة في سكر الدم، مما يؤدي بدوره إلى تداعيات سلبية تتراوح بين الشعور بالخمول الشديد والصداع، وقد تصل إلى اضطرابات في نبضات القلب، وهي أعراض تشكل خطورة خاصة على المصابين بالسكري أو من لديهم قابلية لمقاومة الإنسولين.
وفي هذا السياق، توضح الدكتورة هناء جميل، استشارية الباطنة والغدد، أن الطريقة التي نكسر بها الصيام تحدد مسار صحتنا لبقية اليوم، مشيرة إلى أن الاندفاع نحو تناول السكريات المركزة يعد من أبرز الأخطاء الشائعة؛ فبدء الطعام مباشرة بأصناف الحلويات الرمضانية الغنية بالدهون والقطر، أو الإسراف في شرب العصائر المحلاة، يُحدث صدمة للجسم تؤدي لارتفاع صاروخي في الجلوكوز يتبعه هبوط حاد ناتج عن استجابة الجسم بإفراز كميات كبيرة من الإنسولين، وهو ما يفسر الرغبة الملحة في النوم فور الانتهاء من الأكل. وحتى الخيارات الطبيعية مثل التمر، رغم فوائدها الجمة، فإن تناولها بكميات كبيرة تتجاوز الثلاث تمرات دفعة واحدة يحولها إلى مصدر فائض للسكر يرهق البنكرياس، وكذلك الحال مع عصير الفواكه الذي يفتقر للألياف الموجودة في الثمرة الكاملة، مما يسرع من امتصاص السكر في الأمعاء.
علاوة على ذلك، يلعب ترتيب تناول الطعام دوراً محورياً في ضبط توازن الجسم؛ فتجاوز طبق الشوربة الدافئ الذي يهيئ المعدة بلطف، والهجوم المباشر على الأطباق الرئيسية المكدسة بالنشويات البيضاء سريعة الامتصاص كالأرز والمكرونة والخبز المكرر، يؤدي إلى إرباك الجهاز الهضمي ورفع السكر بسرعة. ويتفاقم هذا الوضع عند إهمال البروتينات وعدم إدراج الخضروات والألياف ضمن الوجبة، حيث تعمل هذه العناصر ككوابح طبيعية تبطئ عملية الهضم والامتصاص، وتمنح شعوراً طويلاً بالشبع. كما أن تناول كميات ضخمة من الطعام بسرعة كبيرة لا يمنح الجسم الفرصة لتنظيم عمليات الأيض بشكل تدريجي.
ولتفادي هذه الدوامة من ارتفاع وانخفاض الطاقة، وما يصاحبها من تعرق وتوتر ورغبة متجددة في أكل الحلويات، ينصح باتباع نهج متدرج وواعي؛ يبدأ بكسر الصيام بالقليل من الماء وحبات معدودة من التمر، ثم الانتقال لطبق حساء خفيف، والحرص على تكوين طبق متكامل يجمع بين البروتين والخضروات والنشويات المعقدة. إن تأخير الحلويات قليلاً لتكون وجبة خفيفة بعد الإفطار، مع الالتزام بالمضغ الجيد والأكل ببطء، يضمن استعادة النشاط والحيوية دون تعريض الجسم لتلك التقلبات الصحية المرهقة.
التعليقات