قد يغيب عن ذهن الكثيرين أن عملية تنظيف الأواني التي نقوم بها يومياً قد تكون بحد ذاتها سبباً في نشر التلوث بدلاً من إزالته، فاستخدام مياه غير نقية تماماً أو تجفيف الأطباق بقطعة قماش ملوثة قد يحول أدوات الطعام إلى مصدر للخطر دون أن نشعر. وفي هذا السياق، تنبه الدكتورة ليزا أكيرلي، المتخصصة في الصحة البيئية بخبرة تتجاوز الأربعة عقود، إلى أن الروتين المعتاد لغسل الصحون قد يساهم في تفشي البكتيريا داخل المنزل، وتزداد الخطورة بشكل خاص في حال وجود شخص يعاني من وعكة صحية، سواء كانت نزلات برد أو اضطرابات معوية، مما يستدعي مزيداً من الحذر لمنع انتقال العدوى لباقي أفراد الأسرة.

وتكشف الحقائق العلمية عن مفارقة صادمة، وهي أن حوض المطبخ قد يضم كميات من البكتيريا تفوق تلك الموجودة في حوض الاستحمام بمئات الآلاف من المرات، لكن المعضلة لا تكمن في وجود الجراثيم فحسب، بل في آلية انتقالها. فالميكروبات لا تمتلك أرجلاً للسير، بل تعتمد على “نواقل” لتتحرك من الأسطح المتسخة إلى طعامنا، وتتمثل هذه النواقل في أيدينا، وفوط التنظيف، وألواح التقطيع، مشكلةً ما يشبه الرحلة غير المرئية التي تنتهي بوصول الملوثات إلى أجسامنا عبر أدوات المائدة.

لضمان سلامة هذه العملية، يجب أن تبدأ الخطوة الأولى قبل وضع أي طبق في الحوض، وذلك عبر تطهير الحوض نفسه، لا سيما إذا تم استخدامه مسبقاً لغسل اللحوم النيئة أو الخضراوات المتربة، فهذه البقايا قد تحمل بكتيريا خطرة مثل السالمونيلا والإشريكية القولونية. يُنصح هنا برش مطهر مناسب وتركه قليلاً قبل الشطف. وبالتوازي مع ذلك، تتطلب ألواح التقطيع عناية خاصة؛ فبمجرد ملامستها للحوم النيئة، يجب تعقيمها فوراً بالماء المغلي أو المطهرات قبل استخدامها لأي غرض آخر، لقطع الطريق على التلوث المتبادل.

وفيما يتعلق بآلية الغسيل، يُفضل ارتداء القفازات المطاطية ليس فقط لحماية اليدين من المواد الكيميائية، بل لأنها تتيح استخدام مياه ذات درجات حرارة مرتفعة تساعد في إذابة الدهون بفاعلية أكبر. ومع ذلك، تشير الأبحاث الصادرة عن جامعة روتجرز إلى أن حرارة الماء وحدها ليست العامل الحاسم في القضاء على البكتيريا، بل إن عملية “الفرك” الجيد بالصابون هي الأساس، حتى وإن كان الماء بارداً. كما ينبغي إعادة النظر في استخدام إسفنجة المطبخ التقليدية، حيث أثبتت الدراسات أنها بيئة خصبة تحتضن مئات الأنواع من البكتيريا بسبب رطوبتها المستمرة، ويُستحسن استبدالها بفرشاة بلاستيكية لسرعة جفافها، مع الحرص على تعقيمها دورياً في غسالة الأطباق.

وبعد الانتهاء من الغسيل، يقع الكثيرون في خطأ التجفيف باستخدام فوط المطبخ التي قد تعيد توزيع الجراثيم على الأطباق النظيفة؛ لذا فإن ترك الأواني لتجف في الهواء يُعد خياراً أكثر أماناً، أو يجب تغيير الفوط وغسلها بماء ساخن جداً بشكل مستمر. أما بخصوص الاعتقاد السائد بخطورة نقع الأواني طوال الليل، فهو ليس مقلقاً طالما تم التخلص من المياه الراكدة وتنظيف الأواني بفرك جيد في الصباح.

وفي حال الاعتماد على غسالة الأطباق، فإن الترتيب الصحيح يلعب دوراً محورياً في النظافة؛ إذ يجب إزالة بقايا الطعام أولاً، وترتيب الملاعق بحيث تكون مقابضها للأعلى لتجنب لمس الأجزاء التي تدخل الفم، مع ترك مسافات كافية بين الأطباق لضمان وصول الماء لكل جزء. ومن الضروري استخدام دورات غسيل بحرارة لا تقل عن 60 درجة مئوية، وتنظيف فلتر الغسالة بانتظام، وترك بابها مفتوحاً قليلاً بعد الاستخدام لمنع تكون العفن. إن تبني هذه العادات البسيطة والمدروسة لا يقتصر أثره على نظافة المطبخ فحسب، بل يشكل خط دفاع أول لحماية الأسرة من الأمراض المنقولة والعدوى البكتيرية.