لا يقتصر الإخلاص في عالم الساحرة المستديرة على تمثيل شعار نادٍ واحد طوال العمر، بل يتجسد أحياناً في رحلة طويلة من العطاء تتنقل بين مختلف الملاعب وغرف تغيير الملابس. هؤلاء الذين يطلق عليهم عشاق اللعبة “الرحالة”، يثرون الساحة بخبراتهم المتراكمة أينما حلوا، تاركين بصمة لا تُمحى مع كل قميص يرتدونه. وفي المشهد الكروي المصري، يبرز اسم أسامة نبيه كواحد من أهم الشخصيات التي تجسد هذا المفهوم بدقة، حيث سطر تاريخاً حافلاً بالمحطات المتنوعة والمتقاطعة، سواء كلاعب يركض داخل المستطيل الأخضر، أو كعقل مدبر يجلس على مقعد الإدارة الفنية.
انطلقت حكاية هذا النجم، المولود في العشرين من يناير لعام 1975، من جدران مدرسة الموهوبين بنادي الزمالك. ومن أجل صقل موهبته مبكراً، دافع عن ألوان فريق الترسانة منتصف التسعينيات قبل أن يستعيده فريقه الأبيض مجدداً ليمثله بقوة حتى مشارف الألفية الجديدة. حينها، قرر نبيه خوض غمار تجربة الاحتراف الخارجي، مغادراً نحو الملاعب التركية عبر بوابة “تاي سبور”، ليعرج بعدها نحو منطقة الخليج ممثلاً لنادي الكويت الكويتي. ولم تقتصر جولاته المحلية على محطاته الأولى، بل نثر إبداعاته مع أندية غزل المحلة والترسانة مجدداً، لينهي مسيرته كلاعب بقميص المصرية للاتصالات مع حلول عام 2009. وخلال تلك السنوات، سجل حضوره الدولي بثماني عشرة مشاركة وهدف وحيد مع الفراعنة، متوجاً مجهوداته بمعانقة الذهب القاري في نسخة أمم إفريقيا 1998 التي أقيمت في بوركينا فاسو.
بمجرد تعليق حذائه، لم يبتعد نبيه عن عشقه الأول، بل اتجه فوراً لعالم التدريب انطلاقاً من قطاعات الناشئين بقلعة ميت عقبة. وتدرج بخطوات ثابتة حتى وصل للعمل ضمن الطاقم الفني للفريق الأول للزمالك في مناصب متعددة، بل وتولى دفة القيادة الفنية بشكل مؤقت مطلع عام 2023. إلا أن المحطة الأبرز في مسيرته التكتيكية تجلت بوضوح حين شغل منصب المدرب العام للمنتخب المصري الأول برفقة الأرجنتيني هيكتور كوبر. طوال تلك الحقبة الممتدة من أواخر 2013 وحتى منتصف 2018، ساهم بفعالية في إعادة الهيبة للفراعنة قارياً ببلوغ المشهد الختامي لأمم إفريقيا بالجابون عام 2017، فضلاً عن الإنجاز التاريخي المتمثل في كسر عقدة التأهل للمونديال والوصول إلى كأس العالم في روسيا.
طموح الرجل الأول دفعه لاحقاً لخوض غمار تحديات جديدة كمدير فني لعدة فرق عربية ومحلية، حيث أشرف على تدريب المريخ السوداني والشعلة السعودي بجانب فريق “زد” المصري. هذا التراكم الواسع للخبرات جعله خياراً مثالياً لقيادة الأجيال الصاعدة للمنتخبات الوطنية، فأسندت إليه مهمة الإشراف على منتخب الناشئين مواليد 2007 في فبراير 2024. وسرعان ما نال ثقة أكبر بتصعيده أوائل عام 2025 ليخلف البرازيلي روجيرو ميكالي في قيادة منتخب الشباب مواليد 2008.
كانت أبرز المهام الملقاة على عاتقه مع جيل الشباب هي المنافسة في كأس العالم تحت 20 عاماً التي احتضنتها تشيلي في 2025. ورغم البداية المتعثرة بسقوطين متتاليين أمام اليابان بهدفين نظيفين ثم نيوزيلندا بهدفين لهدف، انتفض صغار الفراعنة في الجولة الختامية محققين انتصاراً درامياً على أصحاب الأرض بالنتيجة ذاتها. غير أن التوفيق أدار ظهره للمنتخب المصري في النهاية؛ فبالرغم من التساوي التام مع تشيلي في حصد النقاط، وفارق الأهداف، والحصيلة التهديفية، حسمت قاعدة “اللعب النظيف” بطاقة العبور لصالح البلد المضيف، لتنتهي الرحلة المونديالية من دور المجموعات. ورغم كل شيء، تبقى قصة أسامة نبيه شهادة حية على مسيرة كروية غنية بالتحولات والتجارب، تثبت أن روح اللعبة تكمن في الاستمرار والمثابرة وتحدي الذات في كل محطة جديدة.
التعليقات