بينما قد يرتجف أي شخص في يوم شتوي قارص، يعاني البعض من إحساس دائم بالبرودة يتحدى درجات الحرارة المرتفعة وطبقات الملابس الثقيلة، وهذا الشعور الداخلي المستمر ليس مجرد حالة عابرة، بل قد يكون مؤشرًا بيولوجيًا ينبئ عن وجود خلل في وظائف الجسم الحيوية يستوجب الانتباه والبحث عن مسبباته الحقيقية بدلاً من تجاهله.
يكمن أحد الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة في كفاءة الجهاز الدوري؛ فوصول الدفء إلى الأطراف يعتمد كليًا على رحلة الدم داخل الجسم، وإذا ما واجهت الدورة الدموية عوائق ناتجة عن مشاكل في القلب، أو ضيق في الأوعية، أو حتى انخفاض في ضغط الدم، فإن الأطراف تظل باردة لعدم وصول التروية الكافية إليها. ويرتبط بهذا الأمر بشكل وثيق مستوى الحديد في الدم، حيث يؤدي نقصه إلى الإصابة بفقر الدم، مما يحرم الخلايا من الأكسجين اللازم لإنتاج الطاقة والحرارة، وهي حالة شائعة تسبب برودة ملحوظة خاصة في اليدين والقدمين، وغالبًا ما تقترن بشعور عام بالوهن والإعياء.
علاوة على ذلك، يلعب النشاط الأيضي دور “المدفأة الداخلية” للجسم، والذي تنظمه الغدة الدرقية؛ فإذا تباطأ عمل هذه الغدة، انخفضت وتيرة حرق السعرات الحرارية وتوليد الطاقة، مما يغرق الجسم في برودة دائمة قد يصاحبها زيادة غير مبررة في الوزن وتساقط للشعر. ومن ناحية أخرى، فإن الأشخاص الذين يعانون من النحافة المفرطة أو سوء التغذية يفتقدون لطبقة الدهون العازلة ومخزون الطاقة الضروري للحفاظ على الدفء، كما أن إهمال شرب كميات كافية من الماء يعيق قدرة الجسم على تنظيم حرارته الداخلية بكفاءة، مما يفاقم المشكلة.
لا تقتصر الأسباب على الجوانب العضوية فحسب، بل تمتد لتشمل الحالة النفسية؛ فالعيش تحت وطأة القلق والتوتر المزمن يحفز الجسم على اتخاذ وضعيات دفاعية تقلص تدفق الدم إلى الجلد والأطراف، مما يولد شعورًا بالبرد. كما أن التدخلات الطبية لها دورها، حيث يمكن لبعض العقاقير المستخدمة لعلاج ضغط الدم أو الاكتئاب، بالإضافة إلى الأمراض المزمنة كالسكري وتأثيراته على الأعصاب، أن تُحدث تغييرات في آلية استشعار الحرارة وتنظيمها.
من الضروري عدم الاستهانة بهذا العرض إذا ما رافقته علامات تحذيرية أخرى، مثل التعب الشديد، أو تغير لون الجلد إلى الشحوب أو الزرقة، أو الشعور بالخدر، أو فقدان الوزن المفاجئ، أو حدوث خفقان في القلب، فجميعها إشارات تستدعي التوجه الفوري للطبيب لإجراء الفحوصات اللازمة، مثل تحليل مخزون الحديد ووظائف الغدة الدرقية. وللتخفيف من حدة هذا الشعور في الحياة اليومية، يُنصح بتبني نمط حياة صحي يشمل الحركة المستمرة لتنشيط الدورة الدموية، والحرص على التغذية المتوازنة والترطيب الجيد، بالإضافة إلى ارتداء ملابس متعددة الطبقات تساعد في حبس حرارة الجسم وتوفير الدفء المطلوب.
التعليقات