غالباً ما تبدأ الحكاية باندفاع عاطفي ملحوظ، حيث يغمر الطرف الآخر شريكته بالاهتمام والوعود، وفجأة، ودون سابق إنذار، يحل الصمت الثقيل محل الكلمات العذبة، وتتبدل اللهفة بالبرود. هذا الانقلاب المفاجئ يترك المرأة في دوامة من الحيرة وجلد الذات، متسائلة عما إذا كانت قد ارتكبت خطأً ما، غير مدركة أن هذا السلوك غالباً ما يكون نابعاً من تعقيدات نفسية داخل الرجل نفسه ولا علاقة له بتصرفاتها المباشرة، حيث يشير علم النفس إلى أن هذا الانسحاب ليس دليلاً قاطعاً على الكراهية أو الخيانة بقدر ما هو انعكاس لدوافع كامنة يعجز الكثيرون عن الإفصاح عنها.

يكمن أحد أبرز الأسباب خلف هذا الستار الصامت في “الخوف من فقدان الحرية”؛ فبينما يستمتع الرجل في البداية بمشاعر الإعجاب، يبدأ جرس الإنذار الداخلي بالرنين بمجرد أن تأخذ العلاقة منحنى الجدية. هذا الشعور بأن الالتزام سيفرض عليه قيوداً أو يغير نمط حياته المستقل يدفعه للتراجع كنوع من الحماية الذاتية، إذ يرى في تعميق الرابطة تهديداً لاستقلاليته بدلاً من كونه أماناً عاطفياً. وبالتوازي مع ذلك، تلعب الضغوط الحياتية دوراً محورياً، فالرجل الذي نشأ على فكرة أن الشكوى ضعف، يميل للانعزال عند مواجهة أزمات مالية أو مهنية، مفضلاً معالجة مشاكله منفرداً بعيداً عن أنظار شريكته، حتى لا تهتز صورته القوية أمامها.

من زاوية أخرى، قد يكون الانسحاب نابعاً من عدم نضج عاطفي، حيث يلجأ البعض لأسلوب التجاهل كلعبة نفسية لقياس مدى تمسك الطرف الآخر به، بحثاً عن إشباع لغروره وشعوره بالأهمية، وهو سلوك يزعزع استقرار العلاقة ويملؤها بالشك. وفي حالات أخرى، يكون الصمت هو البديل الجبان للمواجهة؛ فعندما تخبو شعلة المشاعر، يجد الرجل أن الانسحاب التدريجي أسهل من إجراء محادثة صريحة ونهائية، متوهماً أن الاختفاء أقل إيلاماً من الرفض المباشر، بينما هو في الحقيقة يترك الطرف الآخر معلقاً في المجهول.

أحياناً يكون الصراع داخلياً بحتاً بين العقل والعاطفة، فقد يحمل الرجل مشاعر صادقة، لكن عقله يضع حواجز منطقية تتعلق بظروف غير ملائمة، أو فوارق اجتماعية، أو حتى رواسب من تجارب فاشلة سابقة، مما يجعله يختار الهروب بدلاً من خوض معركة يرى أنها خاسرة مسبقاً. ومع ذلك، فإن هذا السلوك، وإن لم يعنِ النهاية دائماً، فهو مؤشر قوي على وجود خلل في مهارات التواصل يتطلب التوقف عنده.

التعامل الأمثل مع هذا الموقف يتطلب قدراً عالياً من الحكمة وضبط النفس، فالركض خلف من يهرب لن يزيده إلا ابتعاداً. بدلاً من ذلك، يجب الحفاظ على الكرامة وعدم الانزلاق في فخ اللوم المستمر، والاكتفاء باستفسار هادئ لمرة واحدة، ثم ترك المساحة للأفعال لتتحدث عن نفسها. في النهاية، يجب أن تدرك المرأة أن قيمتها لا تتحدد بناءً على صمت أحدهم أو قربه، وأن الشخص الذي يرغب بصدق في أن يكون جزءاً من حياتها سيجد ألف وسيلة ليبقى، أما التجاهل المستمر فهو إجابة بليغة تغني عن أي كلام.