من المألوف جداً خلال الأجواء الشتوية أن نلاحظ لجوء النساء إلى ارتداء طبقات كثيفة من الثياب والقفازات بحثاً عن الدفء، في وقت قد يبدو فيه الرجال أقل تأثراً ببرودة الطقس. هذا التباين الملحوظ ليس مجرد شعور شخصي أو حالة نفسية، بل هو واقع يستند إلى حقائق فسيولوجية وعلمية دقيقة تتعلق بطبيعة تكوين الجسم البشري؛ إذ تلعب الفوارق البيولوجية دوراً حاسماً في كيفية استجابة الجنسين لدرجات الحرارة، حيث تتداخل عوامل متعددة مثل معدلات الأيض، وتوزيع الدهون، والكتلة العضلية، والتقلبات الهرمونية لتجعل النساء أكثر حساسية تجاه البرد مقارنة بالرجال.
عند الغوص في التفاصيل العلمية، نجد أن الآلية التي ينظم بها الجسم حرارته تخضع لمؤثرات عديدة، بدءاً من النظام الغذائي ومستويات التوتر وصولاً إلى الأدوية المتناولة. ومن المفارقات العجيبة التي كشفتها الأبحاث أن درجة الحرارة الداخلية الأساسية لجسم المرأة تكون عادةً أعلى قليلاً من الرجل، وهو ما قد يوحي نظرياً بأنها يجب أن تشعر بالدفء أكثر. إلا أن الخبراء يفسرون ذلك بأن اعتياد الجسد على درجة حرارة داخلية مرتفعة يجعل أي انخفاض في حرارة الجو الخارجي يبدو أكثر حدة وبرودة، مما يعزز الشعور بالصقيع.
تلعب الهرمونات دور “المايسترو” في التحكم بهذه الأحاسيس، حيث يؤثر هرمون الإستروجين بشكل مباشر على الأوعية الدموية وتدفق الدماء. ففي فترات معينة، مثل مرحلة الإباضة أو عند استخدام وسائل منع الحمل الهرمونية، ترتفع مستويات الإستروجين، مما قد يؤدي إلى زيادة لزوجة الدم وتقليل وصوله إلى الأطراف الدقيقة كأصابع اليدين والقدمين، أو يتسبب في توسع الأوعية الدموية مما يسهل تسرب الحرارة عبر الجلد، وبالتالي تزداد حساسية المرأة للبرودة.
من زاوية أخرى، يعتبر التكوين العضلي والدهني عاملاً محورياً في معادلة الدفء؛ فالعضلات تعمل كمولدات طبيعية للحرارة من خلال عمليات الأيض، وبما أن الرجال يمتلكون بطبيعتهم كتلة عضلية أكبر، فإن قدرتهم على توليد الدفء الذاتي تفوق النساء. في المقابل، تمتلك النساء نسبة دهون أعلى تتراوح في المعدلات الصحية بين 21% و32%، مقارنة بنسبة أقل لدى الرجال، ورغم أن الدهون تعمل كطبقة عازلة، إلا أنها لا تنتج الحرارة كما تفعل العضلات. هذا الاختلاف في البنية، مضافاً إليه صغر حجم جسم المرأة وتضاؤل مساحة سطحه مقارنة بالرجل، يقلل من قدرتها على الاحتفاظ بالحرارة وتوليدها.
لا يتوقف الأمر عند الفوارق الجندرية فحسب، بل يتدخل العامل الزمني أيضاً؛ فمع التقدم في العمر، يميل الإنسان لفقدان جزء من كتلته العضلية بشكل طبيعي، مما يفسر شكوى كبار السن المستمرة من البرد. وفي سياق متصل، يحذر الأطباء من أن الشعور المفرط والدائم بالبرودة قد يكون مؤشراً صحياً يستدعي الانتباه، كما في حالة “ظاهرة رينود” الشائعة بين النساء، حيث يحدث اضطراب في الدورة الدموية يمنع وصول الدم للأطراف عند التوتر أو البرد، مما يسبب تنميلاً وألماً وتغيراً في لون الجلد، وهي حالة تستوجب استشارة طبية لضمان التعامل الأمثل معها.
التعليقات