يمثل شهر الصيام تحدياً فسيولوجياً للجسم، لا سيما عندما تمتد ساعات الامتناع عن الطعام والشراب لفترات طويلة، مما يجعل قضية تعويض السوائل المفقودة الركيزة الأساسية للحفاظ على الحيوية والنشاط. وتشير التوصيات الصحية المتخصصة إلى أن إهمال شرب كميات كافية من المياه خلال الساعات المتاحة ليلاً قد يُدخِل الجسم في دوامة من الأعراض الصحية غير المرغوبة، التي تؤثر بشكل مباشر على كفاءة الأعضاء والقدرة على ممارسة الحياة اليومية بشكل طبيعي.
تبدأ أولى علامات هذا التقصير بحدوث خلل في توازن السوائل الداخلي، حيث يفقد الجسم مخزونه المائي بوتيرة أسرع مما يتم تعويضه، مما يؤدي إلى حالة من الجفاف تتجلى في أعراض واضحة مثل جفاف الأغشية المخاطية في الفم، والشعور بالدوار، وتحول لون البول إلى درجات داكنة. وتتفاقم هذه الحالة لتشكل عبئاً على الجهاز الدوري، إذ يضطر القلب لبذل جهد مضاعف لضخ الدم المحمل بالأكسجين، ما يسفر عن تسارع في نبضات القلب وشعور سريع بالإنهاك البدني، وتزداد خطورة هذا الأمر مع ارتفاع درجات الحرارة أو بذل مجهود عضلي أثناء النهار، مما قد يرفع احتمالية التعرض لهبوط في ضغط الدم أو الإغماء.
ولا يقتصر تأثير نقص المياه على الجانب البدني فحسب، بل يمتد ليطال الأداء الذهني والعصبي؛ فالدماغ يتأثر بشدة بقلة التروية الدموية واختلال توازن الأملاح، مما يترجم على شكل نوبات صداع مستمرة، وتشتت في الانتباه، وصعوبة في إنجاز المهام التي تتطلب تركيزاً عالياً. وقد أثبتت الملاحظات الطبية أن حتى النقص الطفيف في مستوى رطوبة الجسم كفيل بإحداث تراجع في الوظائف الإدراكية وزيادة الشعور بالتشوش والإرهاق العقلي.
وعلى صعيد العمليات الحيوية الأخرى، يلعب الماء دوراً محورياً في عمل الجهاز الهضمي وصحة الكلى؛ فغياب الترطيب الكافي يؤدي إلى خمول في حركة الأمعاء وجفاف الفضلات، مما يسبب الإمساك والانتفاخ. وفي الوقت ذاته، تزداد كثافة الأملاح والمعادن في المسالك البولية نتيجة قلة السوائل، مما يرفع بشكل مقلق من احتمالية تكون الحصوات الكلوية المؤلمة، لذا يُعد شرب الماء بانتظام وسيلة وقائية ضرورية لتخفيف تركيز البول وحماية الكلى.
ولضمان صيام صحي وآمن، ينصح الخبراء باتباع استراتيجية ذكية في الترطيب تعتمد على توزيع كميات المياه تدريجياً طوال فترة الإفطار بدلاً من شربها دفعة واحدة، مع الحرص على دمج الأغذية الغنية بالماء مثل البطيخ والحمضيات ضمن النظام الغذائي. كما يُفضل الابتعاد عن العصائر المصنعة والمشروبات الغازية التي ترفع مستويات السكر وتزيد من الشعور بالعطش، والاكتفاء بالبدائل الطبيعية وبدء الإفطار بالتمر والماء لتهيئة الجسم لاستعادة توازنه المائي بشكل سليم.
التعليقات