تشهد الأسواق حاليًا طوفانًا من السلع الغذائية التي تتسابق لإبراز محتواها الغني بالبروتين، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على المكملات الخاصة بالرياضيين كما كان في السابق، بل امتد ليشمل المخبوزات والحلويات وحتى الوجبات الخفيفة التقليدية. ويرى المختصون أن هذه النزعة الاستهلاكية حولت البروتين إلى أداة ترويجية جذابة تستهدف كافة الشرائح المجتمعية، بدءًا من الآباء المنشغلين وكبار السن، وصولًا إلى الراغبين في الرشاقة، مما أدى إلى قفزة هائلة في مبيعات هذه المنتجات استنادًا إلى قناعات شائعة حول قدرتها السحرية على كبح الجوع، تعزيز النشاط، وبناء الجسم.
وفي خضم هذا الهوس المتزايد، يبرز صوت العلم ليطرح تساؤلات جدية حول جدوى استهلاك هذه الكميات المضافة، محذرًا من أن الانسياق خلف هذه الموضة الغذائية قد يكون مضللًا. فالحقيقة العلمية تشير إلى أن جسم الإنسان البالغ يكتفي بمقادير محدودة يمكن تأمينها بسهولة بالغة عبر الوجبات اليومية المعتادة، بل إن الإحصائيات والدراسات المسحية تؤكد أن الغالبية العظمى من الناس يتجاوزون تلقائيًا الحدود اليومية الموصى بها من البروتين في نظامهم الغذائي الطبيعي دون الحاجة لأي مكملات صناعية أو أغذية مدعمة.
وتكمن المعضلة الحقيقية في التأثير النفسي لهذه الملصقات التجارية، إذ تخلق ما يشبه “الهالة الصحية” الوهمية التي تدفع المستهلكين للاعتقاد بأن أي منتج يحمل عبارة “عالي البروتين” هو خيار صحي بالضرورة، حتى لو كان نوعًا من الحلوى. هذا التصور الخاطئ يفتح الباب واسعًا أمام استهلاك كميات مفرطة تتجاوز قدرة الجسم على التحمل، فالإسراف في تناول هذا العنصر الغذائي ليس خاليًا من العواقب؛ حيث يحذر الأطباء من أن تجاوز الحدود الآمنة قد يضع عبئًا ثقيلاً ومجهدًا على الكلى، ويرفع من احتمالات الإصابة بمشاكل القلب، فضلًا عن تأثيره السلبي على توازن صحة الجهاز الهضمي.
وعلى الرغم من وجود فئات محددة تستدعي حالاتها البيولوجية زيادة الحصص البروتينية، مثل الرياضيين المحترفين، النساء الحوامل، كبار السن، أو من يتبعون حميات قاسية لإنقاص الوزن، إلا أن الخبراء يشددون على أن المصدر الأمثل لتلبية هذه الحاجة يكمن في الأطعمة الطبيعية الكاملة كاللحوم والبقوليات والألبان. وفي المقابل، يغفل الكثيرون عن العنصر الغذائي الأهم والغائب عن معظم الموائد وهو الألياف؛ إذ يعاني السواد الأعظم من الناس من نقص حاد فيها، ولو تم إعادة توجيه الاهتمام والوعي الغذائي نحو سد هذه الفجوة في الألياف بدلاً من الانشغال المفرط بالبروتين، لحقق المجتمع قفزة نوعية في مستوى الصحة العامة والوقاية من الأمراض المزمنة.
التعليقات