يسود اعتقاد شائع بأن العبرة في التغذية السليمة تكمن في اختيار أصناف الطعام فحسب، بينما يغيب عن الأذهان أن أسلوب التعامل مع هذه الأطعمة وطقوس تناولها قد يكون هو المسؤول الأول عن استنزاف مخزون الجسم من العناصر الحيوية. فكثيرًا ما نتبع عادات غذائية روتينية تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها في الواقع تعمل بمثابة “لصوص خفية” تسلبنا الفيتامينات والمعادن ببطء، مما يترك أجسادنا فريسة للوهن المستمر والإرهاق دون مبرر صحي واضح.
ومن أبرز هذه الممارسات التي تعيق استفادة الجسم من الغذاء، الاستعجال في احتساء المشروبات المنبهة كالشاي فور الانتهاء من الوجبة؛ إذ يحتوي الشاي على مركبات مثل “التانين” التي تشكل حائلًا أمام امتصاص الجسم لعنصري الحديد والزنك، مما يمهد الطريق للإصابة بفقر الدم (الأنيميا) بشكل تدريجي دون أن يدرك الشخص السبب. ولا يقتصر الأمر على الشاي، بل إن الإفراط في شرب القهوة أو تناولها في توقيتات خاطئة يؤثر سلبًا على مستويات الكالسيوم والحديد، ويزيد من فقدان المعادن الهامة عبر البول، مما يستدعي ضرورة الفصل الزمني بين الوجبات وهذه المشروبات لمدة لا تقل عن ساعة.
وعلى صعيد التحضير والطهي، تلعب طريقة إعداد الطعام دورًا حاسمًا في الحفاظ على قيمته؛ فإعادة استخدام زيوت القلي لمرات متعددة لا يكتفي بتدمير الفيتامينات التي تذوب في الدهون مثل فيتامين “أ” و”هـ” فحسب، بل يحول الزيت إلى بؤرة للمركبات الضارة التي ترهق الكبد وتعيق عملية الهضم. وفي المقابل، يقع البعض في خطأ المبالغة في طهي الخضروات، وخصوصًا عبر السلق لفترات طويلة، مما يجردها من محتواها الغني بفيتامين “سي” وحمض الفوليك، لتتحول الوجبة في النهاية إلى مجرد ألياف تملأ المعدة بلا فائدة غذائية تُذكر، عكس ما يتوقعه الكثيرون من أن الطهي الزائد أكثر أمانًا.
وتمتد قائمة الأخطاء لتشمل نوعية المكونات الأساسية، حيث يؤدي الاعتماد اليومي على النشويات المكررة منزوعة القشرة، كالأرز الأبيض والمكرونة، إلى حرمان الجسم من الألياف وفيتامينات “ب” المركبة المسؤولة عن توليد الطاقة، مما يورث الشعور بالخمول والكسل. يضاف إلى ذلك اللجوء المتكرر للأطعمة المعالجة صناعيًا، مثل الجبن المطبوخ واللحوم المحفوظة والمعلبات؛ فهذه المنتجات تعج بالمواد الحافظة ونسب مرتفعة من الصوديوم، مما يعرقل امتصاص الكالسيوم والمغنيسيوم، وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف العظام والمناعة على المدى الطويل دون ظهور أعراض فورية.
أخيرًا، تساهم عادة تناول الحلويات مباشرة بعد الوجبات الدسمة في إرباك توازن المعادن في الجسم نتيجة الارتفاع المفاجئ لسكر الدم، مما يضع عبئًا إضافيًا على البنكرياس ويستنزف فيتامينات “ب”. ولتجنب هذا الهدر الغذائي والحفاظ على حيوية الجسم، يكمن الحل في تبني نهج واعٍ يعتمد على تنويع المصادر الغذائية، واستبدال الحبوب المكررة بالكاملة، مع الحرص على تناول الخضروات طازجة أو مطهوة باعتدال، وتجنب القلي المتكرر لضمان وصول القيمة الغذائية كاملة إلى خلايا الجسم.
التعليقات