كثيرًا ما نجد أنفسنا غارقين في دوامة من التعب الذهني وتقلبات المزاج غير المبررة، وبدلاً من النظر إلى محتويات أطباقنا، نوجه أصابع الاتهام فورًا إلى ضغوط العمل والحياة اليومية. الحقيقة التي تغيب عن الكثيرين هي أن هناك رابطًا وثيقًا وخفيًا بين ما نلتهمه من طعام وبين استقرارنا العاطفي، حيث تلعب نوعية الغذاء دورًا محوريًا في تشكيل حالتنا النفسية، قد يتجاوز تأثير الظروف الخارجية المحيطة بنا.

يشير المتخصصون في علوم التغذية والصحة العقلية إلى أن الدماغ البشري لا يعمل بمعزل عن الجهاز الهضمي؛ فهو يعتمد في عمله على توازن كيميائي دقيق ومعقد للناقلات العصبية ومستويات الطاقة في الدم. وعندما نتدخل في هذا النظام عبر خيارات غذائية غير موفقة، فإن النتيجة المباشرة تكون ظهور أعراض مثل القلق، العصبية المفرطة، والإنهاك العقلي، حتى في غياب أي مبرر واقعي لهذه المشاعر.

تبرز السكريات والمنتجات المكررة كأحد أبرز “المخادعين” في هذا السياق؛ فهي تمنح الجسم دفعة قوية ومفاجئة من الطاقة، لكنها سرعان ما تنهار وتتلاشى، مخلفة وراءها حالة من الهبوط الحاد الذي يترجمه الجسم إلى خمول ذهني، وتشتت في الانتباه، وضيق في الصدر، مما يضعف قدرة الفرد على التعامل مع التوترا ت بمرور الوقت. وعلى نفس المنوال، قد يتحول البحث عن التركيز عبر الإفراط في شرب القهوة والمنبهات إلى فخ؛ فالكافيين الزائد، بدلاً من أن يصفّي الذهن، قد يشعل فتيل القلق والاضطراب، ويسرق من الجسم ساعات النوم العميق الضرورية لإعادة شحن الطاقة النفسية.

ولا يتوقف الضرر عند هذا الحد، فالاعتماد المستمر على الوجبات السريعة والأطعمة المعالجة صناعيًا يغرق الجسم بزيوت مهدرجة ومواد حافظة ترهق الجهاز العصبي وتعيق تدفق الدم السليم إلى الدماغ، وقد أظهرت الملاحظات العلمية وجود صلة بين هذه الأطعمة وتفاقم مشاعر الحزن والاكتئاب. يضاف إلى ذلك المشروبات الغازية التي توجه ضربة مزدوجة للأعصاب بمزيجها من السكر والمنبهات، مسببة الصداع والتوتر. علاوة على ذلك، فإن إهمال تناول البروتينات الكافية يحرم الدماغ من “المواد الخام” اللازمة لتصنيع النواقل العصبية المسؤولة عن تحسين المزاج. وللخروج من هذه الدائرة، يكمن الحل في العودة إلى الطبيعة عبر تعزيز النظام الغذائي بالخضروات، والبروتينات الصحية، والمصادر الغنية بالمعادن، مع الحرص على شرب الماء، ليكون طعامنا وسيلة لدعم صفائنا النفسي لا عبئًا عليه.