مع حلول شهر الصيام، يواجه الكثيرون تحديات هضمية مزعجة نتيجة الانقلاب المفاجئ في مواعيد تناول الطعام، حيث يبرز شعور الحرقة والارتجاع كضيف ثقيل، لا سيما عقب وجبة السحور التي تليها عادةً ساعات النوم مباشرة. وتعود جذور هذه المشكلة الفسيولوجية إلى خلل وظيفي مؤقت في الصمام الذي يحرس بوابة المعدة؛ فبدلاً من إحكام الغلق، ترتخي هذه العضلة لتسمح للعصارات الهاضمة بالتسلل صعوداً نحو المريء، مما يولد إحساساً حارقاً ومؤلماً يمتد من منتصف الصدر وصولاً إلى الحلق، مصحوباً أحياناً بطعم لاذع في الفم، وهو ما يعرف طبياً بالارتجاع المعدي المريئي الذي تتفاقم حدته مع عادات السهر والأكل المتأخر الشائعة في هذا الموسم.
ويشير المتخصصون في علوم الغذاء إلى أن نوعية ما نضعه في أطباقنا تلعب دور البطولة في إشعال هذه النار الداخلية؛ فالأطعمة المشبعة بالدهون والمقليات الدسمة تعمل كمهدئ للعضلة الفاصلة، مما يسهل خروج الأحماض وعودتها للمريء. والمفارقة أن بعض الخيارات التي تبدو بريئة مثل النعناع، أو المحببة للنفس كالشوكولاتة الغنية بالكاكاو، تساهم في نفس الأثر السلبي بسبب مكوناتها التي ترخي الصمام المريئي. كما تنضم المشروبات الغازية والمنبهات كالقهوة إلى قائمة المحظورات في أوقات متأخرة، لكونها ترفع مستويات الحموضة وتضعف قدرة المعدة على الاحتفاظ بمحتوياتها، خاصة عند الاستلقاء مباشرة بعد تناولها.
ولا تتوقف قائمة المثيرات عند هذا الحد، فالمأكولات الحارة الغنية بالتوابل، والبصل النيئ، وحتى بعض العصائر ذات الطبيعة الحمضية كالبرتقال، قد تسبب تهيجاً مباشراً للأغشية المخاطية وتزيد من حدة الأعراض. ولضمان صيام مريح خالٍ من نغص الحموضة، ينصح بتبني استراتيجيات وقائية ذكية، أهمها ترك فاصل زمني كافٍ لا يقل عن ساعتين بين آخر وجبة وموعد النوم، والابتعاد تماماً عن الوجبات الثقيلة والمشروبات الغازية في الساعات الأخيرة من الليل. كما يُعد الحرص على رفع الوسادة قليلاً أثناء النوم لتوظيف الجاذبية في منع الارتجاع، إلى جانب تدوين الملاحظات الشخصية حول الأطعمة المهيجة وممارسة نشاط حركي بسيط مع الحفاظ على وزن معتدل، خطوات جوهرية للسيطرة على هذه الأعراض المزعجة والمرور بشهر صوم صحي وآمن.
التعليقات