مع وصول الصائمين إلى المحطة الثالثة من شهر الصيام، يبدأ الجسم في الدخول بمرحلة انتقالية فسيولوجية يحاول فيها التأقلم مع النظام الجديد، إلا أن الكثيرين قد يتفاجأون بشعور مضاعف بالحاجة إلى الماء يفوق ما اختبروه في اليومين الأولين. هذا الشعور المتزايد بالجفاف ليس مجرد رد فعل لطول ساعات الامتناع عن الشرب، بل هو نتاج مباشر لنوعية “الوقود الغذائي” الذي تم تزويد الجسم به خلال ساعات الإفطار والسحور، فالمسألة تتعلق بالكيف لا بالكم.
ويشير المختصون في التغذية العلاجية، ومنهم الدكتور أحمد صبري، إلى أن التحدي الحقيقي يبدأ بعد مرور 48 إلى 72 ساعة، حيث تكون مخزونات السوائل الداخلية قد بدأت بالنفاذ الفعلي، مما يجعل الجسم أقل تسامحًا مع الأخطاء الغذائية. ولتدارك هذا الأمر، يصبح انتقاء الأصناف التي تحتفظ بالرطوبة ضرورة قصوى؛ حيث يتربع الخيار على رأس القائمة بفضل محتواه المائي الكثيف وأليافه اللطيفة التي لا تثقل المعدة، يليه في الأهمية الخضروات الورقية كالخس والسبانخ الغنية بالبوتاسيوم الذي يلعب دور “ضابط الإيقاع” لتوازن السوائل داخل الخلايا.
وفي سياق البحث عن بدائل صحية للحلويات التي ترهق الجسم، تبرز الفواكه الموسمية كالبطيخ والبرتقال والكمثرى كخيارات استراتيجية؛ فهي لا تروي العطش فحسب، بل تعيد شحن الجسم بالأملاح والمعادن المفقودة بشكل طبيعي، ويفضل تناولها بعد وجبة الإفطار بفترة كافية. أما بالنسبة لوجبة السحور، فإن الاعتماد على الأطعمة “بطيئة التحرر” يعد حيلة ذكية لمقاومة العطش، وهنا يأتي دور الشوفان الذي تعمل أليافه كخزان مائي يطلق الرطوبة ببطء في الأمعاء، وكذلك الزبادي واللبن الرائب اللذان يجمعان بين البروتين والبكتيريا النافعة لتهدئة الجهاز الهضمي وترطيبه.
ولكي تؤتي هذه الخيارات ثمارها، لا بد من الحذر من “سارقات الماء” المتمثلة في الأطعمة عالية الملوحة كالمخللات، والمقليات المشبعة بالزيوت، والمشروبات الغازية أو السكرية الكثيفة، فجميعها تسرع من وتيرة الجفاف. وبدلًا من شرب كميات هائلة من الماء دفعة واحدة، يُنصح بتوزيع شرب الماء على فترات متقطعة طوال الليل، وتقليل المنبهات كالقهوة، مع الحرص على بدء الإفطار بالتمر والماء لتهيئة الجسم تدريجيًا لاستقبال الطعام، مما يضمن نهارًا أكثر نشاطًا وأقل عطشًا.
التعليقات