تشهد الأسواق الغذائية حالياً تحولاً جذرياً في أنماط الاستهلاك، حيث لم تعد المنتجات المخمرة مثل الكفير والكيمتشي والملفوف حكراً على المتاجر المتخصصة، بل باتت تحتل مساحات واسعة في المتاجر الكبرى، وذلك استجابة للاهتمام العالمي المتزايد بصحة الجهاز الهضمي. وينبع هذا التوجه من إدراك عميق ومسنود بالأدلة العلمية للدور الحيوي الذي يلعبه التوازن البكتيري داخل الأمعاء، والذي لا يقتصر تأثيره على تعزيز الجهاز المناعي وتنظيم عمليات الأيض فحسب، بل يمتد ليشمل استقرار الحالة المزاجية والصحة العقلية للإنسان.

وفي المقابل، تدق الإحصاءات الطبية ناقوس الخطر، إذ تكشف التقارير الحديثة عن تصاعد مقلق في معدلات الإصابة بأمراض الجهاز الهضمي، حيث ارتفعت نسب الأمراض الالتهابية المزمنة كالتهاب القولون ومرض كرون بشكل ملحوظ خلال العقد الماضي، وباتت الشكاوى الهضمية تشكل سبباً رئيسياً لزيارة العيادات الطبية بشكل متكرر. وعلى الرغم من الفوائد المعروفة للأغذية الغنية بالبكتيريا النافعة، ينبه المتخصصون إلى وجود “أعداء خفيين” في أنظمتنا الغذائية اليومية قد تنسف جهود الحفاظ على صحة الأمعاء.

يأتي في مقدمة هذه الأغذية الضارة الخبز التجاري واسع الانتشار، الذي يعتمد غالباً على مستحلبات كيميائية تهدف لإطالة مدة الصلاحية وتحسين القوام، ولكنها في الوقت ذاته قد تلحق الضرر ببطانة الأمعاء وتزيد من فرص حدوث الالتهابات، خاصة مع افتقار الدقيق الأبيض للألياف الطبيعية المغذية للبكتيريا الصديقة. وينسحب الأمر ذاته على المثلجات والآيس كريم، التي تجمع بين المحتوى السكري العالي والمواد المضافة التي تخل بتوازن البيئة البكتيرية، ناهيك عن مشاكل عدم تحمل اللاكتوز التي تسبب اضطرابات هضمية لشريحة واسعة من المستهلكين.

ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، فالمشروبات الخالية من السكر والمنتجات المصنفة كـ “دايت” قد تكون خادعة؛ إذ تعتمد على محليات صناعية بديلة قد تؤدي إلى نتائج عكسية تضعف الحاجز المعوي وتغير من طبيعة الميكروبيوم. كذلك الحال مع الأجبان النباتية المصنعة تجارياً، التي تفتقر غالباً إلى القيمة الحيوية والخمائر الموجودة في الألبان الطبيعية، معتمدة بدلاً من ذلك على مزيج من النشا والزيوت المكررة ومثبتات القوام التي لا تقدم فائدة تذكر لصحة الهضم.

وإلى جانب الأغذية المصنعة، يحذر الخبراء بشدة من تناول المأكولات البحرية النيئة كالمحار، لما قد تحمله من مسببات مرضية وفيروسات قد تؤدي إلى حالات تسمم غذائي تؤسس لمشاكل مزمنة مثل متلازمة القولون العصبي مستقبلاً. كما تُعد الأطعمة المقلية خطراً داهماً نظراً لتعرض الزيوت لدرجات حرارة عالية تؤدي لأكسدتها وإنتاج مركبات ضارة تربك عمل الجهاز الهضمي وتسبب الغازات والآلام. ولتجاوز هذه العقبات، يوصى بالعودة إلى البدائل الطبيعية عبر اختيار المخبوزات الغنية بالحبوب الكاملة، واستبدال المحليات الصناعية والمثلجات بخيارات صحية مثل المشروبات المخمرة طبيعياً والزبادي الغني بالخمائر، مع اعتماد زيت الزيتون البكر كبديل للزيوت الضارة لضمان بيئة معوية سليمة ومتوازنة.