يُعتبر الكبد بمثابة المعمل الكيميائي المركزي في جسم الإنسان، حيث يضطلع بمهام حيوية معقدة تتنوع بين تنقية الجسم من السموم، وتخزين الطاقة اللازمة للنشاط، فضلاً عن دوره المحوري في دعم الجهاز المناعي وإتمام عمليات الهضم. ومع ذلك، فإن كفاءة هذا العضو الدؤوب تعتمد بشكل مباشر على نوعية الوقود الذي نمنحه إياه؛ فبينما تساهم بعض الأغذية في تعزيز وظائفه، توجد أصناف أخرى تشكل عبئاً ثقيلاً عليه، مما قد يؤدي بمرور الوقت إلى تراكم الشحوم حوله، وهي حالة تُعرف طبياً بمرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي، والتي قد تتطور في غياب العناية إلى التهابات وتندبات خطيرة.
تتصدر الأغذية فائقة المعالجة قائمة المأكولات التي ترهق الكبد، فهذه المنتجات التي خضعت لتغييرات جذرية في تكوينها وأُضيفت إليها مواد كيميائية وحافظة بأسماء معقدة، تفرض على الكبد جهداً مضاعفاً لتفكيكها. تشمل هذه القائمة الوجبات السريعة، والمقرمشات المعبأة، والكعك التجاري، حيث يضطر الجسم للتعامل مع مزيج ضار من السكر والملح والدهون والمواد الصناعية في آن واحد، مما يمهد الطريق لتكدس الدهون في خلايا الكبد.
ولا يقل الخطر الكامن في السكريات المضافة عن سابقتها، حيث يؤدي استهلاك الأطعمة والحلويات الغنية بالسكر إلى إجبار الكبد على العمل بطاقة قصوى لمعالجتها، مما يسفر غالباً عن تحويل الفائض منها إلى دهون ويزيد من احتمالية زيادة الوزن. وتكمن الخطورة الأكبر في المشروبات المحلاة كالمشروبات الغازية، ومشروبات الطاقة، والعصائر الصناعية؛ إذ أنها تضخ كميات هائلة من السكر إلى الجسم دون أن تمنح شعوراً بالشبع، مما يجعل من السهل تجاوز الحد المسموح به يومياً دون وعي، وهو ما يرتبط بشكل وثيق بتدهور صحة الكبد.
وحتى عند محاولة الهروب من السكر عبر اللجوء إلى المحليات الصناعية وبدائل السكر الخالية من السعرات الحرارية، فإن النتيجة قد لا تكون آمنة تماماً. فقد أشارت بعض التوصيات الصحية العالمية والأبحاث الحديثة إلى أن هذه البدائل قد تؤثر سلباً على التوازن البكتيري في الأمعاء، وهو ما قد ينعكس بضرر غير مباشر على الكبد ويزيد من تراكم الدهون، لذا يُنصح بالحذر وعدم الاعتماد عليها كوسيلة سحرية لإنقاص الوزن.
وفي سياق متصل، تلعب النشويات المكررة دوراً مشابهاً في الإضرار بصحة الكبد. فعندما يتم تجريد الحبوب من قشورها وأليافها المفيدة لإنتاج الخبز الأبيض، والأرز الأبيض، والمعجنات، تصبح هذه الأطعمة سبباً في ارتفاع سريع ومفاجئ لمستويات السكر في الدم. ونظراً لافتقارها للألياف التي تعزز الشبع، يميل الأشخاص لاستهلاك كميات أكبر منها، مما يعزز فرص حدوث الالتهابات وتراكم الدهون الكبدية بدلاً من الحصول على فوائد الحبوب الكاملة.
وعلى صعيد الدهون، تشكل اللحوم الحمراء واللحوم المصنعة مثل النقانق واللحوم الباردة تهديداً مزدوجاً للقلب والكبد بسبب محتواها العالي من الدهون المشبعة. يتفاقم هذا الضرر عند تناول الأطعمة المقلية التي تتشبع بالزيوت وتتغير خصائصها الغذائية بفعل الحرارة العالية، مما يرفع من خطر الإصابة بأمراض الكبد. ولتجنب ذلك، يُفضل استبدال القلي العميق بطرق طهي صحية مثل الشواء أو القلي الهوائي، واستخدام دهون صحية كزيت الزيتون.
أخيراً، لا ينبغي إغفال تأثير الصوديوم، فالأطعمة الغنية بالملح لا تضر بصحة القلب فحسب، بل أثبتت الدراسات وجود رابط قوي بين الإفراط في تناول الملح واضطرابات الكبد وتليفه. لذا، فإن تقليل الملح واستبداله بمنكهات طبيعية كالثوم والليمون، مع الحرص على قراءة الملصقات الغذائية لتجنب الصوديوم الخفي في الأطعمة المعلبة، يُعد خطوة وقائية ضرورية للحفاظ على سلامة هذا العضو الحيوي.
التعليقات