ساد الاعتقاد دائمًا بأن النظافة تبدأ بالماء، وأن غسل كل ما نأكله هو خطوة بديهية لا غنى عنها لضمان السلامة الصحية. ومع ذلك، تشير التوصيات المتخصصة في علم التغذية إلى أن هذه القاعدة ليست مطلقة ولا تنطبق على جميع الأصناف؛ ففي بعض الحالات، قد يكون تعريض أطعمة معينة للماء سببًا مباشرًا في تلفها، فقدانها لخصائصها، أو حتى تحويلها إلى مصدر خطر بدلاً من جعلها آمنة.
لنأخذ اللحوم والدواجن النيئة كمثال بارز، حيث يظن الكثيرون أن وضعها تحت الصنبور يطهرها، إلا أن الحقيقة العلمية مغايرة تمامًا. فتيار الماء المتدفق يؤدي إلى تناثر رذاذ دقيق غير مرئي محمل بالبكتيريا الضارة، مما يلوث حوض المطبخ والأدوات والأسطح المحيطة، ويزيد بوضوح من احتمالية حدوث التسمم الغذائي عبر ما يعرف بالتلوث المتبادل. الحل الأمثل والآمن يكمن في عدم غسلها نهائياً وتعريضها للحرارة المباشرة أثناء الطهي، فهي الوسيلة الوحيدة الكفيلة بالقضاء الفعال على أي ميكروبات عند وصول اللحم لدرجة النضج والحرارة الداخلية المناسبة.
أما عند التعامل مع الخضروات الورقية ذات الطبيعة الحساسة، فالأمر يتطلب تقنية مختلفة وحذرًا خاصًا. نظرًا لتكوين أوراقها المتداخل الذي قد يخبئ الشوائب والجراثيم، فإن الغسل العنيف تحت الماء الجاري قد لا يكون مجديًا بل قد يساهم في نشر الملوثات. يُفضل استبدال ذلك بتقطيع الأوراق الكبيرة والنقع الهادئ لفترة وجيزة في وعاء يحتوي على الماء الممزوج بقطرات من الخل أو عصير الليمون، ثم شطفها برفق وتجفيفها، لضمان نظافتها العميقة دون الإضرار بنسيجها الرقيق.
وفيما يخص الفاكهة الرقيقة وسريعة العطب كالفراولة ومختلف أنواع التوت، فإن طبيعتها المسامية تجعلها أشبه بالإسفنج الذي يمتص السوائل بسرعة، مما يؤدي إلى تمييع نكهتها وفقدانها لمركباتها الغذائية الهامة إذا ما نُقعت في الماء أو غُسلت بقوة. للحفاظ على جودتها، يُنصح بالاكتفاء بشطف سريع وهادئ لها قبل لحظات فقط من تناولها. وينطبق مبدأ الاعتدال ذاته على البقوليات والحبوب، فرغم أهمية تنظيفها من الأتربة، إلا أن المبالغة في غمرها بالماء لفترات طويلة قد تتسبب في تسرب الفيتامينات القابلة للذوبان، مما يقلل من الفائدة الغذائية التي يحصل عليها الجسم.
التعليقات