أظهرت تحليلات علمية حديثة بارقة أمل جديدة لأسر الأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث تبين أن عامل “الوقت والاستمرارية” في جلسات تطوير النطق يعد المفتاح الأساسي لمساعدة هؤلاء الصغار على نطق كلماتهم الأولى، حتى وإن كانوا في البداية لا يملكون أي قدرة على الكلام. وتشير المعطيات إلى أن النفس الطويل في العلاج يؤتي ثماراً أفضل بكثير من الاعتماد على تكثيف الجلسات في فترات زمنية ضيقة.

وقد استندت هذه النتائج إلى بحث موسع أجراه فريق أكاديمي من جامعة دريكسل في مدينة فيلادلفيا، حيث تم تتبع حالة أكثر من سبعمائة طفل في مرحلة ما قبل المدرسة، بمتوسط عمري يبلغ ثلاث سنوات، وتراوحت أعمارهم بين خمسة عشر شهراً وخمس سنوات. وخضع هؤلاء الأطفال لبرامج علاجية لغوية امتدت لفترات متفاوتة، وصلت في بعض الحالات إلى عامين كاملين، بمعدل مشاركة أسبوعي قارب العشر ساعات.

المثير في الأمر أن الغالبية العظمى من المشاركين كانوا يعانون عند بدء التجربة من تحديات جسيمة في التواصل، بل إن نسبة كبيرة منهم صُنفوا كغير ناطقين تماماً. ومع ذلك، وبفضل الاستمرار في البرامج العلاجية، تمكن ثلثا الأطفال من تحقيق قفزات نوعية في مهاراتهم اللغوية، لدرجة أن نصف أولئك الذين بدؤوا التجربة بصعوبات بالغة نجحوا في تكوين جمل قصيرة ومفهومة مع نهاية فترة المتابعة، بينما لم يطرأ تغيير ملموس على ثلث الحالات المتبقية رغم مرور عامين.

وفيما يتعلق بالنهج المتبع، اعتمدت الدراسة على مجموعة متنوعة من الأساليب العلاجية المرموقة، تنوعت بين نماذج تعتمد على اللعب وبناء الروابط العاطفية بين الطفل والأخصائي، وأخرى تركز على التنظيم البصري وترتيب البيئة المحيطة لتعزيز استقلالية الطفل، بالإضافة إلى برامج التدخل السلوكي التي تستهدف تطوير المهارات الحياتية والاجتماعية عبر جلسات فردية، فضلاً عن الأساليب التي يوجهها الطفل بنفسه من خلال اللعب الطبيعي.

وقد خلص الباحثون إلى نتيجة جوهرية مفادها أن الأطفال الذين التزموا بالعلاج لفترات زمنية ممتدة حققوا تقدماً يفوق أقرانهم الذين خضعوا لجلسات مكثفة جداً ولكن لفترات قصيرة. وأوضح الدكتور جياكومو فيفانتي، المشرف الرئيسي على البحث، أن البيانات تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الالتزام طويل الأمد هو الأكثر فاعلية، خاصة للفئة التي تفتقر تماماً للقدرة على الكلام، مشيراً إلى أن وجود مهارات أولية مثل القدرة على التقليد الحركي والصوتي أو الرغبة في اللعب المشترك يعزز من فرص النجاح، بشرط تعديل الخطط العلاجية بمرونة لتناسب تطور كل طفل.

تأتي هذه النتائج في وقت تشير فيه الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الجهات الصحية في الولايات المتحدة إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات تشخيص التوحد، حيث باتت التقديرات تشير إلى إصابة طفل واحد من كل واحد وثلاثين طفلاً، وهو ما يمثل قفزة كبيرة مقارنة بالنسب المسجلة في مطلع الألفية الحالية، مما يؤكد الحاجة الماسة لتبني استراتيجيات علاجية فعالة ومستدامة.