يعتمد عمل الجسم البشري وكفاءته الحيوية بشكل أساسي على قدرة كريات الدم الحمراء ومادة الهيموجلوبين على ضخ الأكسجين الكافي لكافة الأنسجة، وحينما يحدث خلل في هذه المنظومة، يدخل الإنسان في حالة صحية شائعة تُعرف بفقر الدم، وهي ظاهرة طبية واسعة الانتشار تؤثر على قطاعات عريضة من البشر بمختلف مراحلهم العمرية، لا سيما الفئات الأكثر حساسية كالنساء والأطفال. وتترجم هذه الحالة نفسها عبر لغة جسدية تظهر في صورة علامات إنهاك عام، حيث يشعر المصاب بوهن مستمر واستنزاف للطاقة لا يجديه نفعاً أخذ قسط من الراحة، بالإضافة إلى تغيرات ملحوظة في المظهر الخارجي مثل شحوب البشرة واصفرارها، وبرودة ملحوظة في الأطراف، فضلاً عن المعاناة من نوبات الدوار والصداع المتكرر، واضطراب في عمل عضلة القلب وتسارع نبضاتها، مع صعوبة في التنفس تزداد حدتها عند بذل أي مجهود بدني، وقد يمتد التأثير ليطال الجوانب الجمالية كتقصف الأظافر وتساقط الشعر وضعف القدرة على التركيز الذهني.
تتفاقم هذه الإشارات التحذيرية في الحالات المتقدمة لتصل إلى مستويات أكثر خطورة، قد تشمل آلاماً في منطقة الصدر، أو فقداناً للوعي، وضيقاً في التنفس حتى في أوقات السكون التام، مما يستدعي فهم جذور المشكلة التي تتشعب إلى أنواع متعددة؛ ففي كثير من الأحيان يكون السبب تغذوياً بحتاً، وأبرز تلك الأنواع هو النقص الحاد في عنصر الحديد، سواء بسبب سوء النظام الغذائي أو النزيف المستمر، ويتميز هذا النوع برغبة غريبة لدى المصاب في تناول مواد غير غذائية كالثلج، وهناك أيضاً الأنواع المرتبطة بنقص الفيتامينات الضرورية مثل فيتامين “B12” وحمض الفوليك، والتي غالباً ما تصاحبها أعراض عصبية كالتنميل وصعوبة الحركة، بالإضافة إلى التقرحات الفموية ومشاكل الذاكرة، وعادة ما ترتبط بمشاكل الامتصاص الهضمي أو مراحل الحمل.
وعلى جانب آخر، توجد مسببات أكثر تعقيداً لا تتعلق بالتغذية فحسب، بل بطبيعة تكوين الدم ونخاع العظم؛ فهناك فقر الدم الانحلالي الذي تتدمّر فيه الخلايا بوتيرة أسرع من إنتاجها نتيجة خلل مناعي أو وراثي، وكذلك “الأنيميا المنجلية” التي تعد مرضاً وراثياً يتسبب في تشوه شكل الخلايا وإعاقة حركتها مما يولد نوبات ألم شديدة، وصولاً إلى النوع الأخطر والنادر المعروف بفقر الدم اللاتنسجي، حيث يتوقف نخاع العظم عن أداء وظيفته في إنتاج الخلايا الجديدة، وقد يحدث ذلك نتيجة التعرض لسموم كيميائية أو تأثيرات دوائية معينة أو أمراض مناعية.
نظراً لهذا التنوع الكبير في الأسباب والأنواع، يشدد الأطباء والمختصون على ضرورة عدم اللجوء إلى العلاج الذاتي أو تناول مكملات الحديد والفيتامينات بشكل عشوائي دون تشخيص دقيق، لأن ذلك قد يؤدي إلى تفاقم بعض الحالات بدلاً من علاجها. ويصبح التوجه الفوري للمرافق الطبية ضرورة ملحة عند ملاحظة استمرار أعراض الإعياء، أو حدوث اضطرابات في التوازن والوعي، أو تغيرات في ضربات القلب، وذلك لإجراء الفحوصات اللازمة وتحديد نوع العلاج المناسب الذي يضمن استعادة الجسم لتوازنه الطبيعي وتجنب المضاعفات الصحية الوخيمة.
التعليقات