تشير الدلائل العلمية المتزايدة إلى أن الآثار المستمرة للإصابة بفيروس كورونا، مثل التشوش الذهني، والصداع المتكرر، واضطرابات الحواس كالشم والتذوق، قد لا تكون مجرد أعراض عابرة، بل إنذارات مبكرة لاحتمالية تزايد مخاطر الإصابة بالخرف في المستقبل. وقد سلطت أبحاث أمريكية حديثة الضوء على العلاقة المقلقة بين ما يُعرف بـ “كوفيد طويل الأمد” وبين ارتفاع المؤشرات البيولوجية المرتبطة بمرض ألزهايمر.
ومن خلال فحص عينات دموية لعدد كبير من المصابين الذين استمرت معاناتهم من الفيروس لفترات طويلة، رصد العلماء قفزة ملحوظة في مستويات بروتين “تاو”. ويُعد تراكم هذا البروتين داخل الخلايا العصبية عاملاً حاسماً في إعاقة التواصل بين خلايا المخ، مما يجعله أحد الأسباب الرئيسية المعروفة لتراجع القدرات الإدراكية وفقدان الذاكرة لدى مرضى ألزهايمر. وقد اعتمدت الدراسة على مقارنة دقيقة لعينات الدم المأخوذة قبل العدوى، وعينات أخرى سُحبت بعد مرور أكثر من عامين في المتوسط، مع التركيز على مؤشر حيوي دقيق يُسمى “pTau-181”.
وأظهرت التحليلات أن الأشخاص الذين عانوا من أعراض عصبية واضحة، كالدوخة والضبابية العقلية، ارتفعت لديهم مستويات هذا البروتين بنسبة قاربت الستين بالمائة مقارنة بوضعهم قبل الإصابة. واللافت في النتائج هو وجود علاقة طردية بين مدة المرض وحجم الضرر المحتمل؛ إذ تبين أن المرضى الذين استمرت أعراضهم الذهنية لأكثر من ثمانية عشر شهراً سجلوا مؤشرات أعلى بكثير لتلف الأنسجة الدماغية مقارنة بمن تماثلوا للشفاء في وقت أقصر، مما يثير مخاوف جدية حول تدهور الوظائف العقلية مع تقدم العمر.
ويرى الخبراء القائمون على هذه الأبحاث أن التبعات الحقيقية للفيروس قد تظل كامنة لسنوات قبل أن تظهر على شكل أمراض مزمنة، مشيرين إلى أن الارتفاع في مستويات بروتين “تاو” هو علامة مؤكدة على وجود ضرر طويل المدى في الدماغ. ومع ذلك، لا يزال العلماء يبحثون فيما إذا كانت هذه التغيرات تتبع المسار البيولوجي نفسه لمرض ألزهايمر التقليدي أم أنها تشكل مساراً مختلفاً. ولتأكيد دقة هذه الفرضيات، قورنت النتائج بمجموعات لم تصب بالفيروس أو تعافت منه سريعاً دون آثار باقية، حيث لم تظهر لديهم أي زيادات غير طبيعية في البروتين، مما يعزز فرضية الارتباط الوثيق بين كوفيد الطويل والتغيرات العصبية.
وفي الخطوات المستقبلية، يعتزم الفريق البحثي استخدام تقنيات التصوير العصبي المتقدمة للتحقق مما إذا كانت الزيادة في بروتين الدم تعكس تراكماً فعلياً له داخل أنسجة المخ. وتكتسب هذه الجهود أهمية قصوى بالنظر إلى التعريف الطبي لكوفيد طويل الأمد، الذي يشمل الحالات التي تستمر فيها الأعراض لأكثر من ثلاثة أشهر، حيث تشير التقديرات إلى أن شريحة واسعة من المصابين يعانون لسنوات، وهو ما قد يفاقم من أزمة ألزهايمر العالمية المتوقع تفاقمها خلال العقود القادمة، والتي تبدأ عادة بضعف الذاكرة وصعوبات في التفكير واللغة.
التعليقات