لطالما كانت الموائد المصرية في ليالي الشهر الكريم تضج بأصناف تراثية محددة، تحمل في طياتها عبق الزمن الجميل ودفء التجمعات العائلية أمام شاشات التلفاز، إلا أن حلول عام 2026 حمل معه تغييرات ملموسة في خريطة الطعام الرمضاني، حيث بدأت تلك الأطباق العريقة في التواري لصالح وصفات عصرية تتسم بالسرعة وأحيانًا بالتكلفة العالية، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحول نابعًا من تبدل الأذواق أم فرضته ظروف المعيشة المتسارعة.

وفي قراءة لهذا المشهد المتغير، ترى هبة محمد، المتخصصة في شؤون الاقتصاد المنزلي، أن غياب أصناف بعينها لا يعني بالضرورة تراجع جودتها أو مذاقها، بل هو انعكاس لتحولات اجتماعية عميقة؛ فإيقاع الحياة الصاخب وخروج المرأة لميدان العمل قلص الوقت المتاح للوقوف في المطبخ لساعات طويلة لإعداد وجبات تتطلب دقة وصبراً، مما دفع الأسر للبحث عن البدائل السريعة والعملية.

ومن أبرز ضحايا هذا العصر السريع طبق “الكشك”، الذي كان سيد الموائد في صعيد مصر وريفها، لما يمنحه من شبع وقيمة غذائية، لكن نظرًا لكونه يتطلب مراحل تحضير معقدة من تجفيف وطهي متأنٍ، فقد تراجع حضوره بشكل ملحوظ أمام رغبة الجيل الجديد في الحلول الفورية. الأمر ذاته طال “البليلة الحادقة”، تلك الوجبة الاقتصادية المشبعة التي تراجعت شعبيتها أمام سيطرة أطباق المكرونة والأرز، حيث باتت الأجيال الشابة تميل لما تراه مروجاً له عبر المنصات الرقمية أكثر من ميلها للموروثات الشعبية.

كما طالت رياح التغيير أطباقاً كانت تُعرف ببساطتها مثل “الرقاق باللبن”، الذي كان بديلًا اقتصاديًا للبروتين في بعض البيوت، ولكنه كاد يختفي تمامًا بعدما ارتبط اسم الرقاق في الأذهان بحشوات اللحوم والدواجن في العزائم الفاخرة، ولم يعد يُنظر إليه كوجبة مستقلة بذاتها. وحتى “الفتة”، التي كانت في السابق وجبة يومية تُعد بأبسط المكونات، تحولت بمرور الوقت إلى طبق احتفالي مكلف يرتبط بقطع اللحم الفاخرة، مما جعل إعدادها بشكل يومي أمرًا مستبعدًا لدى الكثيرين نتيجة ارتفاع سقف التوقعات حول شكل تقديمها.

ولم تسلم الحلويات من هذا الطوفان العصري، فقد توارت “المهلبية البلدي” البسيطة في الظل، مفسحة المجال أمام حلويات “التريند” الغربية مثل التشيز كيك والكنافة ذات النكهات المبتكرة، حيث بات الشكل الجذاب والتجديد هو المعيار الأول للاختيار. وتُرجع خبيرة الاقتصاد المنزلي هذه التحولات إلى عدة عوامل مجتمعة، أبرزها سطوة وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الذوق العام، وانتشار الأطعمة الجاهزة، ورغبة الشباب المستمرة في تجربة كل ما هو جديد ومختلف، فضلاً عن العامل الاقتصادي وتغير نمط الحياة اليومي.

ورغم هذا التراجع، يبقى الأمل قائماً في إعادة إحياء هذه الكنوز المطبخية إذا ما تم تقديمها برؤية عصرية تواكب الذوق الحالي؛ كأن يُقدم الكشك في قوالب صغيرة جذابة كنوع من المقبلات، أو ابتكار نكهات جديدة للمهلبية والبليلة تتماشى مع هوس التجديد. فالمائدة الرمضانية في النهاية ليست مجرد أصناف تُؤكل، بل هي جزء أصيل من الهوية والذاكرة الجمعية، والحفاظ عليها يتطلب مرونة في التقديم تضمن انتقالها للأجيال القادمة دون أن تفقد جوهرها.