في الكثير من المنازل، تفقد أوقات الوجبات متعتها وتتحول إلى مصدر يومي للتوتر والشد والجذب بين الآباء وصغارهم، لا سيما في السنوات الأولى من عمر الطفل، حيث يقابل الإلحاح الأبوي بالرفض القاطع من جانب الصغير، مما ينهي الموقف عادةً بمشاعر سلبية أو صراخ أو استسلام أحد الطرفين. ويرى المتخصصون في سلوكيات الأطفال والتغذية أن هذا الصد ليس بالضرورة دليلاً على العناد المستمر، بل قد يكون وسيلة صامتة يعبر بها الطفل عن ضيقه أو ملله من الروتين المتكرر، فالأطفال يحكمون على الطعام بحاسة البصر قبل التذوق؛ وإذا لم تجذبهم هيئة الطبق أو رائحته، فإن قرار الرفض يصدر فورًا، مما يجعل طريقة العرض والابتكار في التقديم لا تقل أهمية عن المكونات الغذائية نفسها.

ومن الضروري أن ينتبه الأهل لبعض الممارسات التربوية الخاطئة التي قد تأتي بنتائج عكسية، مثل الضغط المستمر لإنهاء محتويات الطبق بالكامل، أو عقد مقارنات غير عادلة مع أطفال آخرين، وكذلك ربط الطعام بمفاهيم الثواب والعقاب، لأن هذه الأساليب تزرع حاجزًا نفسيًا وتخلق علاقة غير صحية ومشحونة مع الأكل. بدلاً من ذلك، يمكن اتباع استراتيجيات أكثر مرونة وذكاءً لكسر هذا الجمود، مثل البدء بتقديم كميات قليلة لعدم إشعار الطفل بالعبء، والاهتمام بتناسق الألوان والأشكال الجذابة، فضلاً عن منح الطفل فرصة للمشاركة في إعداد وجبته أو اختيار مكوناتها، مع ضرورة احترام إشارات الجوع والشبع لديه وعدم تجاهلها.

ولتحبيب الطفل في الطعام الصحي، يمكن اللجوء إلى بدائل ذكية في تحضير الوجبات، كاستبدال الأطعمة المقلية بأخرى مخبوزة في الفرن، وتقديم النشويات والبروتينات في صور محببة وسهلة التناول ككرات صغيرة أو قطع دجاج بأشكال مرحة، بالإضافة إلى دمج الخضروات بذكاء داخل المكونات الرئيسية لضمان تناولها دون تذمر. وفي الختام، يظل التجمع العائلي حول المائدة هو العامل الأكثر تأثيرًا؛ فعندما يرى الطفل والديه يتناولان نفس الصنف في جو من الألفة والأمان، يميل فطريًا للتقليد وتتلاشى مقاومته للطعام تدريجيًا.