في عالم الساحرة المستديرة، غالبًا ما تتبخر نشوة الانتصار بسرعة البرق، فلا تتجاوز بضع لحظات أو أيام، بينما يظل جرح الهزيمة غائرًا في الذاكرة لأعوام طويلة، وهذه المعادلة النفسية المختلة تدفعنا للتساؤل عن سر هيمنة مشاعر الانكسار على نفوسنا وتأثيرها العميق مقارنة ببهجة الفوز العابرة.
عند تأمل المشهد التشجيعي، نجد أن صدى الإخفاق يتردد بصوت أعلى بكثير من هتافات التتويج؛ فالخسارة تفجر براكين الغضب وتفتح أبواب النقد اللاذع، في حين يتم التعامل مع الفوز -مهما عظم شأنه- كأنه استحقاق بديهي ونتيجة متوقعة لا تتطلب التوقف عندها طويلًا. ويعزو المتخصصون في السلوك البشري هذا التباين إلى غريزة فطرية تجعل وقع الألم أشد وطأة بمرتين من لذة الكسب، حيث لا يتعامل المشجع مع النتيجة كمجرد رقم في مباراة، بل يعتبرها مساسًا مباشرًا بكبريائه وجزءاً لا يتجزأ من هويته الشخصية، مما يجعل الانكسار الرياضي بمثابة هزيمة معنوية للذات.
ولا تنتهي فصول الحكاية بانتهاء الدقائق التسعين، بل تبدأ بعدها مرحلة شاقة من جلد الذات والبحث عن الأسباب، فالسقوط يولد رغبة ملحة في التفكيك والتحليل وطرح التساؤلات حول الخيارات الفنية وأداء العناصر، وكأن العقل البشري لا يهدأ حتى يجد مبررًا منطقيًا للفشل، بينما يمر النجاح بسلام دون أن يخضع لنفس المجهر الدقيق، فالانتصارات عادة ما تُغلق ملفاتها سريعًا دون تمحيص، على عكس الهزائم التي تظل تحت المجهر لفترات طويلة.
كما يلعب سقف الطموحات دور الوقود الذي يشعل نيران الخيبة؛ فكلما كانت الثقة مفرطة، كان الارتطام بأرض الواقع أكثر إيلامًا وقسوة. بالنسبة للفرق التي أدمنت المنصات، يتحول الفوز إلى روتين يومي، بينما تصبح الهزيمة حدثًا شاذًا وكارثة تقلب الموازين، مما يخلق عبئًا نفسيًا يظهر جليًا في الوجوه الواجمة والصمت المطبق الذي يخيم على المدرجات فور إطلاق الصافرة، لينتقل بعدها هذا الألم الجماعي إلى ساحات العالم الافتراضي حيث تتضاعف مشاعر الحسرة.
في نهاية المطاف، ورغم قتامة مشهد الخسارة، فإنها تظل الوجه الآخر الضروري للمتعة في هذه اللعبة، ولولا تذوق مرارة التعثر لما كان لطعم الظفر أي قيمة استثنائية أو بريق خاص. إن هذه التقلبات العاطفية الحادة بين قمة الفرح وقاع الحزن هي التي تمنح كرة القدم روحها المتجددة، لتذكرنا دائمًا بأن الشغف الحقيقي يكمن في الرحلة بكل تقلباتها، وليس في النتائج المجردة فحسب.
التعليقات