مع انخفاض درجات الحرارة وحلول الأجواء الباردة، تطرأ تغيرات فسيولوجية جوهرية على جسم الإنسان، حيث يتأهب القلب والأوعية الدموية لمواجهة تحديات إضافية قد تهدد الحياة. فبرودة الطقس تدفع الجسم تلقائياً لمحاولة الحفاظ على حرارته، مما يؤدي إلى تقلص الشرايين والأوعية الدموية، وهذا بدوره يجبر القلب على بذل جهد مضاعف لضخ الدم، متسبباً في ارتفاع ملحوظ في ضغط الدم وزيادة في لزوجته وكثافته، مما يرفع احتمالات تكوّن الجلطات وعرقلة سريان الدورة الدموية بسلاسة.

وتشير البيانات الطبية العالمية إلى أن أمراض القلب، التي تتصدر قائمة مسببات الوفاة حول العالم بحصدها ملايين الأرواح سنوياً، تتفاقم حدتها بشكل لافت خلال فصل الشتاء. ولا يعزى هذا الارتفاع الموسمي إلى البرد فحسب، بل يتضافر مع عوامل أخرى مثل قلة النشاط البدني والميل للخمول، والتغيرات في العادات الغذائية، وانتشار العدوى الفيروسية والبكتيرية التي ترهق المناعة والقلب معاً، بالإضافة إلى تلوث الهواء واضطراب مستويات الهرمونات وعوامل تخثر الدم التي تتغير كيميائياً مع تبدل الفصول.

من أبرز المخاطر التي تتربص بمرضى القلب وكبار السن في هذه الأجواء هو الارتفاع الصامت والخطير في ضغط الدم، حيث تضيق المسارات التي يعبر منها الدم، مما يزيد العبء على عضلة القلب، وهو ما يستدعي رقابة دقيقة وتعديلات سلوكية لتجنب الأزمات. وبالتوازي مع ذلك، تزداد احتمالات الإصابة بالانصمام الرئوي، إذ يؤدي ركود الدم وزيادة قابليته للتجلط داخل الأوردة العميقة إلى خطر انتقال الخثرات للرئتين، وهي حالة تتفاقم مع الإجهاد الفسيولوجي الذي يفرضه البرد على الجسم.

كما يواجه المصابون بضعف في عضلة القلب خطراً متزايداً للإصابة بفشل القلب، حيث تعجز العضلة المجهدة عن مجاراة متطلبات الجسم في ظل المقاومة الوعائية العالية والالتهابات التنفسية الشائعة شتاءً، مما قد يؤدي إلى تدهور سريع في الحالة الصحية. وفي سياق متصل، يرتفع خطر حدوث تمزقات في الشريان الأورطي، خاصة في ذروة البرد، نتيجة التوتر والضغط المرتفع، مما يهدد بنزيف داخلي خطير بين طبقات الشريان.

ولا تقتصر التأثيرات على القلب وعضلته فحسب، بل تمتد لتشمل الدماغ، حيث يرصد الخبراء زيادة في حالات النزيف الدماغي والسكتات الدماغية المرتبطة بانقباض الأوعية وارتفاع الضغط والالتهابات المصاحبة للطقس البارد. إضافة إلى ذلك، يعاني النظام الكهربائي للقلب من اضطرابات محتملة، مثل الرجفان الأذيني وعدم انتظام ضربات البطين، حيث يؤدي تنشيط الجهاز العصبي الودي بفعل البرد، والتوتر المصاحب للعطلات، والجفاف، إلى إثارة نوبات قد تستدعي التدخل الطبي العاجل.

أخيراً، تتجلى معاناة القلب في الشتاء بوضوح من خلال نوبات الذبحة الصدرية، التي تنجم عن نقص التروية الدموية المحملة بالأكسجين للقلب. فمع تضيّق الشرايين التاجية وزيادة حاجة القلب للطاقة ليعمل ضد مقاومة البرد، يشعر المريض بألم وضيق في الصدر، مما يجعل فصل الشتاء فترة حرجة تتطلب حذراً شديداً من قبل أولئك الذين يعانون من مشاكل قلبية مسبقة.