في عالم كرة القدم، لا يُقاس الوفاء والعطاء بالبقاء في مكان واحد فحسب، بل هناك نوعية خاصة من اللاعبين يجدون شغفهم في خوض تجارب متنوعة، متنقلين بحقائبهم وخبراتهم بين الملاعب المختلفة. هؤلاء الذين يمكن وصفهم بـ “طيور الملاعب المهاجرة”، لا يعترفون بالاستقرار التقليدي، بل يصنعون لأنفسهم تاريخاً حافلاً عبر المرور بعدد كبير من الأندية، تاركين أثراً لا يُنسى في كل محطة يحلون بها، لتصبح مسيرتهم بمثابة رحلة طويلة متعددة الوجهات.
ويبرز اسم إبراهيم سعيد كأحد أبرز الأمثلة الحية لهذا النمط في الملاعب المصرية؛ فالمدافع الموهوب، المولود في منتصف خريف عام 1979، انطلقت شرارة موهبته من داخل جدران النادي الأهلي. تدرج الفتى الذهبي في صفوف الناشئين بالقلعة الحمراء حتى فرض نفسه عنصراً أساسياً في الفريق الأول أواخر التسعينيات، ليساهم بقوة في حصد العديد من الألقاب المحلية والقارية حتى عام 2004، بما في ذلك التتويج بلقب الدوري وكأس مصر، واعتلاء عرش القارة السمراء بالفوز بدوري أبطال أفريقيا وكأس السوبر الأفريقي.
لم تتوقف طموحات “الهيما” عند أسوار الجزيرة، بل اتخذت مسيرته منعطفاً مثيراً بقراره الجريء بالانتقال إلى القطب الآخر للكرة المصرية، نادي الزمالك، في صفقة أحدثت ضجيجاً واسعاً حينها. ولم يكتفِ بالتألق المحلي، بل حمل حقائبه متجهاً صوب الملاعب التركية ليخوض تجربة الاحتراف الأوروبي بقميصي ريزا سبور وأنقرة جوجو، مكتسباً خبرات جديدة أضافت الكثير لشخصيته الفنية داخل المستطيل الأخضر.
تواصلت رحلة التنقل بعد العودة إلى مصر، حيث ارتدى قميص “الدراويش” مدافعاً عن ألوان النادي الإسماعيلي، ومر بتجربة خارجية قصيرة في الملاعب الليبية، قبل أن يقرر تعليق حذائه وإعلان الاعتزال بقميص “زعيم الثغر” الاتحاد السكندري. وعلى التوازي مع هذا الترحال بين الأندية، كان لإبراهيم سعيد سجل ناصع مع منتخب بلاده، حيث دافع عن ألوان الفراعنة في خمسين مواجهة دولية، وكان أحد الأعمدة الرئيسية في الجيل الذهبي المُتوج بكأس الأمم الأفريقية مرتين متتاليتين في 2006 و2008.
وعقب إسدال الستار على مشواره كلاعب، لم يغب النجم المثير للجدل عن المشهد، بل أعاد تقديم نفسه للجماهير بصورة مغايرة، تارة عبر خوض تجارب تدريبية، وتارة أخرى باقتحام المجال الإعلامي كمقدم برامج ومحلل رياضي، ليظل اسمه حاضراً بقوة في الوسط الرياضي، شاهداً على مسيرة فريدة للاعب رفض أن يكون مجرد عابر سبيل في تاريخ الكرة المصرية.
التعليقات