قد يبدو السعي الدائم لنيل استحسان المحيطين بنا تصرفاً نبيلاً في ظاهره، إذ يتخفى عادةً خلف قناع اللطف والمروءة، غير أن حقيقته تختلف كلياً؛ فهو عبارة عن نزيف مستمر للطاقة العاطفية والنفسية. إن تقديم مصلحة الغير على الذات بشكل قهري، والهروب المستمر من أي مواجهة، والشعور بالذنب لمجرد امتلاك احتياجات شخصية، ليست مجرد طباع متأصلة أو عيوب في الشخصية، بل هي في الواقع أنماط سلوكية معقدة تم اكتسابها بمرور الزمن. وهنا يتدخل علم النفس ليشرح لنا كيف تتجذر هذه العادة في أعماقنا، ولماذا تكون عملية اقتلاعها مؤلمة وبطيئة ومحملة بمشاعر ثقيلة غير متوقعة.

لم يختر أحد أن يكون “مضحياً بذاته” بمحض إرادته الحرة فجأة، بل غالباً ما تكون جذور هذه المعضلة ممتدة إلى سنوات النشأة الأولى. يشير الخبراء إلى أن الطفل الذي ينمو في بيئة تربط العاطفة والأمان بشرط الطاعة التامة، يتعلم درساً قاسياً: الهدوء مشروط بإلغاء الذات. فالاعتراض أو الرفض في تلك المرحلة قد يعني التعرض للإهمال أو الغضب، مما يدفع العقل الباطن لترسيخ قاعدة ذهبية للبقاء، مفادها أن الحفاظ على سعادة الجميع هو الضمان الوحيد للأمان الشخصي. وهكذا، تتحول الموافقة الدائمة إلى آلية تلقائية تشبه التنفس، تحدث دون تفكير واعٍ.

تستمر هذه البرمجة العميقة حتى مراحل النضج، حيث يترجم الجهاز العصبي أي إشارة رفض، أو تأخر في الرد، أو حتى تغيير طفيف في نبرة الصوت، على أنها تهديد وجودي. الأمر هنا يتجاوز مجرد الرغبة في اللطف؛ إنه استجابة فسيولوجية للقلق، حيث يبقى الجسم في حالة تأهب دائم للخطر. لذلك، فإن مجرد التفكير في قول كلمة “لا” قد يسبب أعراضاً جسدية ملموسة، كضيق الصدر والتوتر العارم، وكأن رفض طلب بسيط سيؤدي إلى كارثة محققة، مما يجعل الانصياع هو المهرب الوحيد لتهدئة هذا الاضطراب الداخلي.

ما يزيد من صعوبة التحرر من هذا القيد هو المكافأة الفورية التي يتلقاها الدماغ؛ فكلما تجنبت مواجهة أو حصلت على ثناء لكونك “شخصاً مرناً”، تعززت مسارات هذه العادة في عقلك. بمرور الوقت، تندمج هذه التصرفات مع الهوية الشخصية، فيصبح الفرد أسيراً لدور “المنقذ” أو “الطيب دائماً”، مسكوناً بهاجس مرعب بأن قيمته الإنسانية ستتلاشى تماماً في نظر الناس إذا توقف عن تقديم التنازلات المفرطة، وهو خوف كافٍ لإبقائه داخل هذه الدائرة المفرغة.

إن رحلة التعافي واستعادة الذات ليست مساراً مفروشاً بالورود، وعادة ما يكون رفيقها الأول هو الشعور بالذنب لا الراحة. عندما تبدأ في رسم حدودك الشخصية واختيار راحتك، قد يصور لك عقلك أنك تمارس نوعاً من الأنانية، لكن هذا الانزعاج هو في الحقيقة دليل على بدء الشفاء وتكيف العقل مع واقع جديد مشروع. التغيير الجذري لا يحدث بين عشية وضحاها، بل يتطلب صبراً وممارسة متدرجة، مثل التريث قبل إعطاء وعود، وتقبل حقيقة أن العلاقات الإنسانية الصادقة والعميقة لا يمكن أن تقوم أبداً على أنقاض راحة أحد الطرفين.