في قلب مدينة بورسعيد الباسلة، نسج القدر حكاية استثنائية جمعت بين الأصول الإيطالية والهوى المصري، بطلها لم يكن مجرد لاعب محترف عابر، بل كان جزءاً أصيلاً من نسيج المدينة الاجتماعي والرياضي. ولد إيتوري موسكاتيلي عام 1916 لأسرة إيطالية اتخذت من مصر وطناً لها، واستهل رحلته مع الساحرة المستديرة عبر بوابة نادي “فيتوس”، أحد الأندية الأجنبية آنذاك، إلا أن طموحه اصطدم بظروف قهرية عالمية؛ فمع اشتعال نيران الحرب العالمية الثانية، وجد اللاعب نفسه خلف القضبان بدلاً من الملاعب، حيث اعتقلته سلطات الاحتلال البريطاني لسنوات نظرًا لجنسيته، مما أدى إلى تجميد مسيرته الرياضية قسراً في وقت كان ينبغي أن يكون فيه في قمة عطائه.
ما إن وضعت الحرب أوزارها ونال حريته في عام 1944، حتى عاد موسكاتيلي ليعانق معشوقته كرة القدم، ولكن هذه المرة بقميص النادي المصري البورسعيدي، ليكتب فصلاً جديداً من الإنجازات. شهدت تلك الحقبة تألقاً لافتاً له، حيث فرض سيطرته المطلقة على دوري منطقة القناة محققاً اللقب أربع مرات متوالية، كما قاد فريقه لمزاحمة الكبار والوصول لنهائي كأس مصر في موسمين متتاليين، ورغم الأداء البطولي وقيادته للفريق نحو المجد، ذهب اللقب في المرتين للنادي الأهلي، ليعلن بعدها موسكاتيلي تعليق حذائه واعتزال اللعب نهائياً في عام 1947.
لم تنته علاقة موسكاتيلي بمدينته بانتهاء دوره كلاعب داخل المستطيل الأخضر، بل تحول شغفه من ركل الكرة إلى توثيق التاريخ وحفظ الذاكرة عبر عدسة الكاميرا. لقد لعب دوراً وطنياً هاماً ومؤثراً إبان العدوان الثلاثي عام 1956، مسجلاً بعدسته حجم الدمار والجرائم التي لحقت ببورسعيد، ليتم تعيينه لاحقاً كمصور رسمي للمحافظة تقديراً لجهوده وموهبته. وفي منتصف السبعينيات، غادر مصر عائداً إلى العاصمة الإيطالية روما حيث عاش بقية حياته حتى وفاته عام 2000، تاركاً خلفه سيرة عطرة تتجاوز كونه مجرد رياضي، بل تمتد لتشمل صلة قرابة عائلية مع حارس الزمالك التاريخي ألدو ستيلا، ليظل اسم موسكاتيلي محفوراً في ذاكرة الكرة المصرية وتاريخ المدينة الساحلية.
التعليقات