تعيش الساحة السياسية الإيرانية مؤخرًا حالة من التخبط الواضح، حيث تتأرجح مواقف صناع القرار وتتبدل توجهاتهم بوتيرة متسارعة تكشف عن غياب تام لأي بوصلة استراتيجية. هذا الاضطراب المستمر في التعاطي مع الأزمات يفضح هشاشة الإدارة الحالية، ويؤكد عجزها عن استيعاب التعقيدات الميدانية والدبلوماسية للصراعات. وقد بات جليًا للمتابعين أن لغة الوعيد المرتفعة لا تعدو كونها مجرد ضجيج إعلامي يفتقر لأي رصيد من الأفعال، بعيدًا كل البعد عن التخطيط العقلاني الرزين.
أمام هذا المشهد المعقد، تبرز ضرورة ملحة لبروز عقلية قيادية تتسم بالجرأة والمكاشفة، قادرة على النزول إلى أرض الواقع وتقييم التداعيات الكارثية للنهج الحالي. الهروب إلى الأمام وممارسة سياسة غض الطرف لم تعد مجدية، بل إن الموقف يتطلب التخلي عن الكبرياء والاعتراف الصريح بالإخفاقات بدلًا من التمادي في تضليل الجماهير والمراوغة المستمرة.
ولتفادي الانزلاق نحو هاوية أعمق من الخسائر المادية والبشرية، يبدو أن طي صفحة هذا الصراع يتوقف على اتخاذ تنازلات جوهرية وحاسمة. يبدأ ذلك بتقبل الخسارة الميدانية بوضوح تام ودون تعنت، يتبعه تحرك جاد لاقتلاع جذور التوتر من خلال إغلاق الملف النووي بصورة نهائية تقطع الشك باليقين وتطمئن المجتمع الدولي وجوارها الجغرافي. وإلى جانب ذلك، يجب التخلي الفوري عن برامج التسلح المزعزعة للأمن، وعلى رأسها تصنيع الطائرات بدون طيار والمنظومات الصاروخية التي تبقي المنطقة بأسرها على صفيح ساخن.
ختامًا، لن يُكتب للمنطقة أن تنعم بالهدوء والسلام بالاتكاء على الحناجر العالية والشعارات الرنانة، بل إن إرساء دعائم الأمن يستوجب تضحيات حقيقية وقرارات تاريخية تجعل من حماية الأرواح ومستقبل الأجيال أولوية مطلقة تتضاءل أمامها أي مكاسب سياسية ضيقة.
التعليقات