شهدت الأسواق في الآونة الأخيرة إقبالًا متزايدًا على شراء أدوات التحليل المنزلي الخاصة بصحة الجهاز الهضمي، إلا أن الأبحاث العلمية الجديدة ألقت بظلال كثيفة من الشك حول جدوى هذه المنتجات، محذرة من أنها قد تقدم بيانات مغلوطة للمستخدمين. فعلى الرغم من أن تكلفة هذه الفحوصات قد تصل إلى مئات الجنيهات الإسترلينية، وتزعم الشركات المنتجة لها قدرتها على رصد حالات مرضية دقيقة كالتهابات الأمعاء، والقولون العصبي، وحتى الأورام السرطانية من خلال تحليل عينات بيولوجية تُرسل بالبريد، إلا أن الواقع العلمي يشير إلى غياب الدقة والموثوقية في هذه الادعاءات.
وقد دق علماء الوراثة، وعلى رأسهم خبراء من المعهد الوطني للمعايير والتكنولوجيا في الولايات المتحدة، ناقوس الخطر بخصوص الاعتماد على هذه النتائج في اتخاذ قرارات علاجية. وأوضحت الدراسات التي قادها الدكتور سكوت جاكسون بمشاركة البروفيسور جاكيوس رافيل، أن هذه الاختبارات في وضعها الراهن تفتقر إلى القيمة السريرية الحقيقية؛ حيث أثبتت التجارب وجود تباين صارخ في النتائج، ليس فقط عند المقارنة بين الشركات المختلفة، بل حتى عند تكرار الفحص في نفس المختبر، مما يستدعي توخي الحذر الشديد من قبل الأطباء والمرضى على حد سواء.
ولإثبات حجم هذا الخلل، قام فريق البحث بإجراء تجربة عملية دقيقة تضمنت إرسال عينات متطابقة تمامًا مأخوذة من مصدر واحد إلى سبع شركات مختلفة، مع الالتزام الحرفي بتعليمات الجمع الخاصة بكل منها. وكانت النتائج صادمة؛ إذ تفاوتت التقديرات البكتيرية بشكل كبير، حيث سجلت بعض التقارير مستويات من بكتيريا “المطثية” تفوق المعدلات الطبيعية بخمسة أضعاف. والأكثر غرابة، أن إحدى الشركات صنفت عينة معينة على أنها “غير صحية”، بينما صنفت عينتين أخريين – متطابقتين مع الأولى تمامًا – على أنهما في حالة صحية ممتازة، مما يضرب مصداقية هذه التحليلات في مقتل.
ويُرجع العلماء هذا التخبط الكبير إلى عدم وجود معايير عالمية موحدة لتحليل الميكروبيوم؛ فكل مرحلة من مراحل العملية، بدءًا من طريقة جمع العينة وظروف شحنها، وصولًا إلى تقنيات التسلسل الجيني والمعادلات الإحصائية المستخدمة، تلعب دورًا في تغيير النتيجة النهائية. ويؤكد الباحثون أن أي تغيير طفيف في المنهجية المتبعة قد يقلب النتائج رأسًا على عقب، مما يجعل من الصعب الاعتماد عليها كأداة تشخيصية موثوقة.
ولا تقتصر المشكلة على دقة البيانات فحسب، بل تمتد لتشمل مخاطر صحية ومادية على المستهلكين، خاصة أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة. فقد تدفع هذه التقارير المضللة البعض إلى تبني تغييرات غذائية غير ضرورية، أو إنفاق مبالغ طائلة على مكملات “البروبيوتيك”، والأخطر من ذلك هو احتمال تأجيل استشارة الأطباء المختصين بناءً على اطمئنان كاذب. ويشير الخبراء إلى أن تعريف “الأمعاء السليمة” بحد ذاته لا يزال موضع نقاش علمي نظرًا للاختلافات البيولوجية الطبيعية بين البشر، مما يجعل التوصيات العامة التي تقدمها هذه الشركات، وإن كانت آمنة غالبًا، تفتقر إلى الدليل السريري القوي، مما يستوجب فرض رقابة تنظيمية صارمة لضمان حماية المستهلك.
التعليقات