يواجه القطاع الطبي في المملكة المتحدة تحدياً جسيماً يتمثل في ارتفاع معدلات الوفيات الناجمة عن الخرف، حيث تحصد هذه الحالة عشرات الآلاف من الأرواح سنوياً، في ظل عجز الأساليب التقليدية عن رصد المرض في مراحله الأولى. وتكمن المعضلة الحقيقية في أن التشخيص غالباً ما يأتي متأخراً بعد أن تكون الأعراض قد استفحلت، مما يحد من جدوى التدخلات الطبية. ومع ذلك، تلوح في الأفق بوادر أمل جديد قد تقلب الموازين، بفضل جيل متطور من فحوصات الدم التي تخضع حالياً لتجارب مكثفة في مراكز بحثية عالمية، بهدف كشف خفايا المرض قبل سنوات طويلة من تضرر الذاكرة.
في الوقت الراهن، يعتمد الأطباء في تقييمهم لحالة ما يقارب مليون مصاب في بريطانيا على أدوات تشخيصية معقدة ومكلفة، مثل مسح الدماغ واختبارات القدرات الذهنية، والتي لا تكشف عن الخلل إلا بعد حدوثه. لكن الابتكارات المخبرية الحديثة تعد باختصار الزمن، إذ أظهرت دراسات أجرتها مؤسسات أكاديمية أمريكية مرموقة إمكانية رصد بروتينات سامة محددة في مجرى الدم، يُعتقد أنها المسؤولة عن إطلاق شرارة الالتهابات وتدمير الخلايا العصبية. وتشير النتائج إلى قدرة هذه التحاليل على دق ناقوس الخطر قبل عقدين كاملين من ظهور العلامات السريرية المعتادة، مما يمنح الأطباء فرصة ذهبية للتدخل قبل وقوع التلف العصبي الدائم.
وعلى الصعيد التطبيقي داخل المستشفيات البريطانية، بدأت تجارب واعدة لاستخدام تقنيات دقيقة للغاية قادرة على استشعار نسب ضئيلة من البروتينات المرتبطة بمرض ألزهايمر، مثل بروتين “تاو” وترسبات “الأميلويد”. وقد وصف خبراء في طب الأعصاب هذه التطورات بأنها خطوة ثورية نظراً لحساسيتها العالية في رصد التغيرات البيولوجية الخفية. وبالتوازي مع التطور التشخيصي، يشهد المسار العلاجي محاولات حثيثة لتطوير عقاقير تتجاوز الحلول المؤقتة الحالية؛ فبينما توجد أدوية تُحسن الأعراض لفترة وجيزة، يجري العمل على علاجات تستهدف أصل المرض لإبطاء تطوره، رغم التحديات المتعلقة بتكلفتها وآثارها الجانبية المحتملة، بالإضافة إلى أبحاث واعدة على مركبات جديدة قد تنجح في تعطيل السموم المسببة للمرض.
ويرى المختصون والجمعيات المعنية بمكافحة الخرف أن اعتماد هذه الفحوصات كإجراء روتيني قد يُحدث تغييراً جذرياً في منظومة الرعاية الصحية، لا سيما وأن ثلث المصابين حالياً يفتقرون لتشخيص رسمي. ورغم عدم التوصل لعلاج نهائي قاطع حتى الآن، إلا أن معرفة الإصابة في وقت مبكر تفتح أبواباً واسعة لتحسين جودة الحياة؛ بدءاً من تعديل الأنظمة الغذائية والسلوكية، ووصولاً إلى التخطيط المسبق للمستقبل وبدء العلاجات المتاحة فوراً، مما يسهم في تأخير تدهور القدرات الإدراكية للمريض.
التعليقات