قد يبذل الكثيرون جهوداً مضنية للحفاظ على نمط حياة صحي، من خلال الالتزام بممارسة الرياضة، وشرب كميات وفيرة من الماء، وتجنب السكريات والكافيين، إلا أنهم قد يُصدمون عند اكتشاف ارتفاع مستويات الكوليسترول لديهم. ويشير الخبراء إلى أن السر وراء هذا اللغز الطبي يكمن غالباً في إغفال وجبة الصباح الأولى؛ حيث يقع الكثيرون فريسة لضيق الوقت في ساعات الصباح الأولى، غير مدركين أن تخطي هذه الوجبة قد يكون سبباً مباشراً في تدهور صحتهم القلبية بشكل صامت ودون سابق إنذار.

تعتمد أجسامنا على إيقاع داخلي دقيق يُعرف بالساعة البيولوجية، والتي تلعب دوراً محورياً في تنظيم عمليات الأيض وكيفية تعامل الجسم مع الدهون والسكريات. فعندما يتم تجاهل وجبة الإفطار، يحدث خلل في هذا النظام الطبيعي، مما يؤثر سلباً على حساسية الأنسولين ويُربك الهرمونات المسؤولة عن الجوع والشبع. وبمرور الوقت، يؤدي هذا الاضطراب إلى ارتفاع تدريجي في الكوليسترول الضار والدهون الثلاثية، بالتزامن مع انخفاض الكوليسترول النافع، مما يمهد الطريق لمشاكل الشرايين والقلب حتى قبل أن تظهر مؤشرات الخطر في التحاليل الطبية التقليدية.

ومن الناحية الفسيولوجية، يكون الجسم البشري مهيئاً للنشاط واستهلاك الطاقة خلال ساعات النهار، حيث تبلغ حساسية الأنسولين ذروتها صباحاً وتتراجع مساءً. لذا، فإن تأخير تناول الطعام أو الاعتماد على وجبات ليلية دسمة يتعارض مع الطبيعة البشرية، ويؤدي إلى تباطؤ عملية التمثيل الغذائي. وقد أثبتت الملاحظات العلمية أن الأشخاص الذين يعتمدون هذا النمط الغذائي المعكوس يعانون سنوياً من زيادة طفيفة ولكنها تراكمية في نسب الدهون الضارة، ويكون التأثير أكثر وضوحاً وخطورة لدى النساء، وكذلك الأشخاص الذين يعانون من قلة الحركة أو زيادة الوزن.

علاوة على ذلك، يخلق الصيام الصباحي الطويل حالة من التوتر الهرموني داخل الجسم، مما يؤدي إلى انخفاض هرمونات الشبع وزيادة هرمونات الجوع بشكل حاد. هذه الحالة تدفع الشخص لاحقاً وبشكل لا إرادي نحو الأطعمة الغنية بالكربوهيدرات والدهون لتعويض النقص، مما يجعله يدور في حلقة مفرغة من الأكل غير الصحي في أوقات غير مناسبة. كما أن تأخير الطعام يؤثر على إفراز هرمون الميلاتونين، مما يربك دورة النوم واليقظة ويزيد من مخاطر السمنة.

للحفاظ على صحة القلب وتجنب هذه المخاطر الخفية، ينصح المختصون بضرورة إعادة ضبط مواعيد تناول الطعام لتتوافق مع ساعات نشاط الجسم، من خلال الحرص على تناول وجبة الإفطار خلال الساعات الأولى من الاستيقاظ، والامتناع عن الأكل قبل النوم بفترة كافية لا تقل عن ساعتين. كما يُفضل تثبيت مواعيد الوجبات يومياً، وزيادة النشاط البدني في الأيام التي يضطرب فيها النظام الغذائي، مع تبني نمط غذائي متوازن مثل حمية البحر المتوسط التي تركز على الألياف، والخضروات، والدهون الصحية، بعيداً عن الأطعمة المصنعة.