لقد أصبحت الأجهزة الذكية جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، نعتمد عليها في كل شاردة وواردة، من إنجاز المهام الوظيفية إلى التواصل الاجتماعي وحتى قتل الوقت، وغالباً ما يحدث ذلك دون أدنى تفكير في العواقب. إلا أن الأوساط الطبية بدأت تدق ناقوس الخطر بشأن ظاهرة صحية مقلقة تتنامى بسرعة، حيث تحول الاستخدام المفرط لهذه التقنيات إلى ما يشبه “الوباء الصامت”، مستهدفاً فئة الشباب بشكل خاص، ولم يعد الأمر مجرد عادة بريئة بل تهديد حقيقي للصحة البدنية.

ويشير الخبراء، ومنهم الدكتورة أرونا آر باتيل، المتخصصة في أشعة الجهاز العضلي الهيكلي، إلى وجود صلة وثيقة ومباشرة بين الساعات الطويلة التي نقضيها أمام الشاشات وبين تزايد الشكاوى من آلام الرقبة واليدين والمعصم. واللافت للنظر أن هذه الأعراض لم تعد حكراً على كبار السن كما كان معتاداً، بل اتسعت الدائرة لتشمل طلاب المدارس والجامعات، وربات البيوت، وموظفي المكاتب، مما يعني أن كل من يغرق في عالمه الافتراضي لفترات طويلة يضع جهازه الحركي في دائرة الخطر.

تكمن المعضلة الحقيقية فيما يحدث للرقبة دون أن نشعر؛ فعند الانحناء المستمر نحو الشاشة، تتخذ الرقبة وضعية غير طبيعية تفرض ضغطاً هائلاً على العمود الفقري والعضلات المحيطة به. ومع مرور الوقت، يؤدي هذا الوضع، الذي قد يبدو مؤقتاً، إلى إجهاد عضلي حاد وتآكل مبكر في الغضاريف العنقية. وقد كشفت صور الرنين المغناطيسي لمرضى في مقتبل العمر عن تغيرات وتآكلات في الفقرات كانت لا تظهر عادة إلا لدى المسنين، وهو مؤشر خطير يعكس حجم الضرر الخفي.

ولا يتوقف الأمر عند الهواتف فحسب، بل يتفاقم لدى العاملين في قطاعات التكنولوجيا والموظفين الإداريين الذين يقضون يومهم منحنين أمام شاشات الحاسوب، حيث يعانون مما يُعرف بمتلازمة “شاشة العرض المرئي”. وتتجلى هذه الحالة في آلام الظهر والرقبة، وتيبس العضلات، وإجهاد العينين والصداع، لتأتي الهواتف الذكية وتزيد الطين بلة، حارمة الجسم من فترات الراحة الضرورية.

وبالانتقال إلى الأطراف العلوية، نجد أن اليدين، وتحديداً الإبهام، تدفعان ضريبة باهظة لهذا النمط من الحياة. فالحركة السريعة والمتكررة أثناء الكتابة أو اللعب تؤدي بمرور الوقت إلى التهابات في الأوتار والممرات الضيقة بالرسغ، مما قد يتطور إلى حالات مرضية مثل متلازمة النفق الرسغي. وتظهر هذه المشاكل بوضوح من خلال آلام حول مفصل الإبهام، وتورم، وخدر، وربما تشوهات في شكل اليد تُعرف بـ”مخلب الرسائل النصية” نتيجة تضرر الأعصاب.

وتؤكد الدراسات أن المخاطر تتصاعد طردياً مع زيادة ساعات الاستخدام، حيث يرتفع احتمال الإصابة بمشاكل الأعصاب بشكل ملحوظ مع كل ساعة إضافية. وقد يؤدي إهمال هذه الالتهابات المتكررة والوضعيات الخاطئة للإبهام إلى أضرار دائمة في المفاصل تشبه أعراض التهاب المفاصل المبكر، مما يسبب تيبساً وتشوهات قد يصعب علاجها لاحقاً.

وحتى الأطباء أنفسهم ليسوا بمأمن من هذه التبعات، حيث يعاني بعضهم من آلام وتيبس في الأصابع نتيجة الفحص المستمر للصور الإشعاعية عبر الشاشات والهواتف. إلا أن الفرق الجوهري يكمن في الوعي؛ فالقدرة على التقاط الإشارات المبكرة للجسم وأخذ فترات راحة منتظمة وتطبيق التدابير الوقائية هو طوق النجاة لتجنب تفاقم الحالة.

في الختام، يجب ألا يتم التعامل مع الألم المستمر، أو التورم في المعصم، أو ضعف قبضة اليد، أو الشعور بالتنميل، على أنها أمور اعتيادية أو ضريبة بسيطة للتكنولوجيا. إن هذه العلامات هي رسائل تحذيرية يرسلها الجسم، وتجاهلها قد يحول مشكلة عابرة إلى إصابة مزمنة تعيق الحركة وتؤثر على جودة الحياة.