من الطبيعي أن يمر الإنسان بمراحل متعددة من الألم عند فقدان شخص عزيز، حيث تخف حدة الوجع تدريجيًا مع مرور الوقت، إلا أن هذه القاعدة لا تنطبق على الجميع؛ فهناك فئة من الناس تجد نفسها عالقة في دوامة لا تنتهي من الأسى. وتشير المعطيات الطبية إلى أن نسبة معينة ممن يواجهون الفقد يصابون بحالة نفسية مستعصية تتجاوز الحزن العادي، حيث تسيطر عليهم مشاعر الذنب والاكتئاب العميق لفترات طويلة قد تتخطى نصف عام، وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية قبل عدة سنوات لإدراج هذه الحالة ضمن التصنيفات الطبية الرسمية كاضطراب مستقل يتسم بضيق نفسي حاد يعيق استمرار الحياة بشكل طبيعي.

تتجلى أعراض هذه الحالة، التي باتت تُعرف باضطراب الحزن المطوّل، في صور سلوكية ونفسية واضحة؛ حيث يظل المصاب أسيرًا لذكريات الفقيد، مستغرقًا في التفكير فيه طوال الوقت، مع عجز كامل عن استيعاب حقيقة الموت أو قبولها. ولا يقتصر الأمر على الحزن الداخلي، بل يمتد ليشمل فقدان الرغبة في ممارسة الأنشطة الروتينية، والشعور بضياع الهوية وكأن الحياة لم يعد لها معنى، وقد يتطور الأمر لدى البعض إلى توارد خواطر سوداوية تتعلق بإنهاء حياتهم. ورغم أن الصدمات المفاجئة تزيد من احتمالية حدوث هذا الاضطراب، إلا أن العلماء لاحظوا أنه لا يصيب كل من يتعرض لموقف صادم، مما أثار فضولهم للبحث عن الأسباب البيولوجية الكامنة خلفه.

وفي محاولة لفك شفرة هذا اللغز، عكف باحثون في أستراليا على دراسة النشاط الدماغي للمصابين، وخلصوا في مراجعاتهم العلمية إلى أن أدمغة هؤلاء الأشخاص تظهر أنماطًا عصبية تتشابه مع تلك الموجودة لدى مرضى الاكتئاب والقلق، لكن المثير للاهتمام هو رصد نشاط مكثف في المناطق المسؤولة عن المكافأة والتعلق العاطفي. وتشير التحليلات إلى أن أجزاء الدماغ المعنية بالرغبة والدافع، وكذا المناطق المسؤولة عن معالجة العواطف وتقييمها، تظل في حالة تحفز مستمر، مما يعني أن المخ “يتوق” كيميائيًا ونفسيًا لوجود الشخص الراحل، وهو ما يجعل عملية التجاوز والتعافي بالغة الصعوبة وشبه مستحيلة دون تدخل.

ويفسر الخبراء هذه الظاهرة بأنها ليست مجرد حزن شديد، بل هي حالة من “التجمد” داخل مرحلة الفقد، حيث يفشل الدماغ في تفعيل آليات التكيف المعتادة. وقد اعتمدت الأبحاث الحديثة على تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي لرصد تدفق الدم في الدماغ عند استحضار صور المتوفى، مما أكد وجود استجابات عصبية غير نمطية. ومع ذلك، لا يزال المجتمع العلمي يؤكد الحاجة إلى مزيد من الدراسات الموسعة لفهم الكيفية الدقيقة التي يتحول بها الحزن من رد فعل طبيعي ومؤقت إلى حالة مرضية مزمنة، خاصة وأن الاعتراف بهذا الاضطراب لا يزال حديث العهد نسبيًا.

يكمن مفتاح الحل، وفقًا للمختصين، في التشخيص الدقيق والاعتراف بوجود المشكلة، إذ أن الكثير من الحالات تظل دون علاج لعدم الوعي بطبيعة الاضطراب. وتتوفر حاليًا برامج علاج نفسي متخصصة قادرة على مساعدة المتضررين لاستعادة توازنهم، لكن الخطوة الأولى تبدأ بطلب المساعدة عند ملاحظة استمرار مشاعر الأسى لأكثر من ستة أشهر، أو عند العجز عن أداء المهام اليومية، أو الميل للعزلة وفقدان الشغف بالحياة، حيث تعد هذه المؤشرات جرس إنذار يستدعي التدخل المهني الفوري لإنقاذ الشخص من الغرق في بحر الأحزان.