إن تجاوز ألم الفقد يُعد رحلة إنسانية بالغة التعقيد، ورغم أن الزمن كفيل عادةً بتخفيف حدة المشاعر، إلا أن هناك فئة من الناس تجد نفسها عالقة في دوامة من الأسى لا تنتهي. وتشير التقديرات إلى أن واحداً من كل عشرة أشخاص يمرون بتجربة خسارة عزيز قد يقعون فريسة لحالة نفسية مزمنة، تم الاعتراف بها عالمياً وتصنيفها كاضطراب مستقل منذ عدة سنوات. وتتسم هذه الحالة باستمرار مشاعر اللوعة والأسى العميق، المصحوبة غالباً بإحساس بالذنب، لفترات طويلة تتجاوز النصف عام، مما يجعلها تختلف جوهرياً عن الحزن الطبيعي العابر.

ويعيش المصابون بهذا النوع من الحزن حالة من الانغماس الكلي في ذكريات الراحلين، حيث يصبح تقبل حقيقة الغياب أمراً شبه مستحيل، وتفقد الحياة بريقها ومعناها في نظرهم. ولا يتوقف الأمر عند حدود الحزن المعتاد، بل يمتد ليشمل تعثراً واضحاً في ممارسة الأنشطة اليومية الروتينية، وشعوراً بتشظي الهوية الشخصية، وقد تتطور الأمور لدى البعض لسيطرة أفكار سوداوية تعبر عن يأس مطبق. ورغم أن التعرض لصدمات الفقد المفاجئة قد يرفع من احتمالية الإصابة، إلا أن العلماء وجدوا أن هذا الاضطراب لا يصيب كل من يمر بظروف مشابهة، مما دفعهم للتعمق في الأسباب البيولوجية والعصبية الكامنة وراء استمراره.

وفي سياق البحث عن تفسيرات علمية دقيقة، كشفت مراجعات بحثية حديثة أجريت في أستراليا أن أدمغة هؤلاء الأشخاص تعمل بنمط مغاير؛ إذ تتداخل لديهم مشاعر الحزن مع آليات القلق والاكتئاب، ولكن المثير للاهتمام هو رصد نشاط مكثف في مراكز الدماغ المرتبطة بالمكافأة والتعلق العاطفي. وتشير النتائج إلى أن الدماغ في هذه الحالة لا يتكيف مع الغياب، بل يظل في حالة “توق” بيولوجي ونفسي مستمر للشخص المفقود، حيث تظل المناطق المسؤولة عن الرغبة والتقييم العاطفي في حالة استثارته، مما يجعل عملية التعافي والتجاوز أكثر صعوبة وتعقيداً، وكأن الدماغ يرفض فك الارتباط.

ويرى المتخصصون أن جوهر هذا الاضطراب ليس مجرد حزن شديد، بل هو تعطل لآلية التكيف الطبيعية، حيث يتجمد الزمن بالنسبة للمصاب ويصبح عاجزاً عن المضي قدماً في حياته. وتعتمد الدراسات الحالية على تقنيات تصوير متقدمة لمراقبة نشاط الدماغ وتدفق الدم عند استحضار الذكريات، بهدف فهم اللغز حول سبب تحول الحزن لدى البعض من رد فعل طبيعي إلى حالة مرضية، مع التأكيد على الحاجة لمزيد من الأبحاث الموسعة. ويكمن الأمل في الوعي والتشخيص السليم، فبمجرد إدراك أن ما يمر به الشخص هو حالة طبية تستدعي التدخل، تصبح البرامج العلاجية وسيلة فعالة للنجاة. لذا، يُنصح دائماً بطلب المساعدة المتخصصة إذا ما استمرت وطأة الألم لفترات طويلة، أو أدت إلى العزلة الاجتماعية والعجز عن ممارسة الحياة، لضمان عدم بقاء الشخص أسيراً للماضي.