تعيش طهران في الوقت الراهن حالة من الانكشاف الشديد والضعف البالغ، وذلك إثر الضربات المتلاحقة التي عصفت بنخبتها العسكرية عبر عمليات تصفية دقيقة. هذا الواقع المرير يتزامن مع وقوفها أمام غريم يمتلك تفوقاً كاسحاً على الصعيدين المادي والتسليحي، مما يجعل مشهدها العام مثيراً للتعاطف. وفي ظل هذا التفاوت الهائل، أثبتت الأيام أن التشبث بالترسانة الصاروخية وسلاح الطائرات المسيرة هو رهان خاسر تماماً، فهذه الأدوات الهجومية فقدت قدرتها على إحداث أي اختراق ملموس أو تغيير في قواعد اللعبة، وتحولت إلى مجرد عبء يلتهم مقدرات البلاد دون أن يقدم أي مكاسب ميدانية تذكر.
وأمام هذا النزيف المستمر للكوادر والثروات، يميل الكثير من المحللين إلى فكرة أن اتخاذ قرار جريء بالتراجع أو حتى الإقرار بصعوبة الاستمرار في هذه المعركة ليس انتقاصاً من قدر الدولة. بل على العكس، يُعد هذا الخيار المخرج العملي الوحيد لحماية هيكل النظام من الانهيار التام وإنقاذ الاقتصاد المنهك. فالمضي قدماً في صدام غير متكافئ لا يعني سوى السير بخطى متسارعة نحو المجهول وتبديد ما تبقى من طاقات في صراع محسوم سلفاً.
ولنا في تجارب الأمم عبرة، فالدول العظمى مثل ألمانيا واليابان لم تجد غضاضة في الرضوخ لنتائج الحرب العالمية الثانية، وكان ذلك الانحناء العاصف هو حجر الأساس الذي مهد لنهضتهما وعودتهما إلى واجهة العالم. إن التوقف عن المكابرة في مثل هذه الظروف يمثل خطوة استراتيجية بالغة الحكمة، تنم عن قراءة واعية للمعطيات، وتتيح للبلاد فرصة ثمينة لالتقاط الأنفاس وإعادة البناء، بدلاً من التعويل الأعمى على وسائل قتالية أثبتت عجزها المطلق عن قهر خصم يمتلك زمام التفوق الشامل.
التعليقات