في ظل الموجة الحالية من الأمراض الشتوية التي تسبب حالة من الإرباك الصحي في المملكة المتحدة، يميل الكثيرون إلى تفسير أي سعال أو شعور باحتقان الحلق على أنه إصابة بالإنفلونزا، إلا أن المتخصصين في المجال الطبي يسلطون الضوء على “متهم خفي” آخر ينتشر بنشاط بين المواطنين دون أن يلحظه أحد، وهو فيروس “الأدينوفيروس”. وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع تقارير صحية تشير إلى ظاهرة تداخل الفيروسات، حيث يواجه الجهاز المناعي هجمات متعددة في آن واحد تشمل الإنفلونزا، وكوفيد-19، والنوروفيروس، وغيرها من الفيروسات التنفسية والمعوية.

ويتميز فيروس الأدينوفيروس بانتشاره الواسع للغاية، حيث تشير التقديرات الصحية إلى أن الغالبية العظمى من البشر يلتقطون هذه العدوى مرة واحدة على الأقل قبل بلوغهم سن العاشرة. وما يزيد الأمر تعقيداً هو طبيعة الفيروس المتغيرة باستمرار، مما يعني أن الإصابة به لا تمنح مناعة دائمة، بل يمكن أن يتكرر المرض عدة مرات طوال العمر. وعلى عكس الإنفلونزا التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفصل الشتاء، فإن الأدينوفيروس لا يتقيد بموسم محدد، بل ينشط وينتقل بين الناس على مدار العام، وقد أكدت الجهات الصحية البريطانية رصد نشاط ملحوظ له في الآونة الأخيرة.

وفيما يتعلق بالتشخيص، يوضح خبراء الصيدلة أن الأعراض غالبًا ما تكون خادعة لتشابهها الكبير مع نزلات البرد التقليدية، مما يجعل الكثيرين يحملون الفيروس دون دراية. وتشمل العلامات الشائعة ارتفاع درجات الحرارة، والتهاب الحلق، والسعال، بالإضافة إلى عرض مميز هو احمرار العين أو ما يعرف بالتهاب الملتحمة. ورغم أن هذا الفيروس قد يسبب إعياءً يدوم لفترة أطول مقارنة بالبرد العادي، إلا أنه عادة ما يكون أقل وطأة من الإنفلونزا فيما يخص آلام الجسد والإرهاق العام، مع العلم أنه لا يوجد لقاح مخصص للوقاية منه حتى الآن.

وتعد شريحة الأطفال، وتحديداً من هم في سن الخامسة، الأكثر عرضة لالتقاط هذه العدوى، ورغم أنها قد تصيب مختلف الفئات العمرية وتمر غالباً بسلام، إلا أنها قد تتطور لتسبب مضاعفات صحية مزعجة. من بين هذه المضاعفات التهابات الصدر مثل الالتهاب الرئوي والتهاب الشعب الهوائية، فضلاً عن التهابات الأذن، واضطرابات الجهاز الهضمي، وقد تتسبب لدى الأطفال في نوبات سعال حادة تشبه النباح تُعرف بمرض الخناق.

وتكمن خطورة الأدينوفيروس في قدرته العالية على العدوى والبقاء حياً على الأسطح لفترات طويلة، مما يسهل انتشاره السريع في البيئات المشتركة مثل المدارس، والحضانات، وأماكن العمل، والمستشفيات. وتتراوح فترة حضانة الفيروس بين يومين وأسبوعين، والمثير للقلق أن المصابين قد يظلون مصدراً لنقل العدوى للآخرين حتى بعد تعافيهم من الأعراض الظاهرة.

ونظراً للطبيعة الفيروسية للمرض، فإن المضادات الحيوية لا تجدي نفعاً في علاجه، بل يعتمد التعافي بشكل أساسي على الراحة التامة، وشرب كميات وفيرة من السوائل، واستخدام المسكنات لخفض الحرارة، بالإضافة إلى ترطيب الجو لتخفيف الاحتقان. وفي حين أن معظم الحالات تشفى تلقائياً خلال أيام أو أسابيع قليلة، فإن الفئات الأضعف مناعياً كالرضع وكبار السن قد تحتاج إلى رعاية طبية داخل المستشفى إذا اشتدت الأعراض. وللحد من هذا الانتشار، تشدد التوصيات الصحية على ضرورة الالتزام بالنظافة الشخصية، وغسل اليدين بانتظام، وتطهير الأسطح، والحرص على تهوية الأماكن المغلقة، مع أهمية عزل المريض لنفسه عند الشعور بالمرض.