شهد المشهد الرقمي في الآونة الأخيرة تطوراً نوعياً، حيث لم تعد الألعاب الإلكترونية مجرد وسيلة عابرة لتمضية الوقت، بل تحولت إلى عوالم افتراضية معقدة تستحوذ على حيز كبير من حياة الناشئة والمراهقين. وقد أثار قرار بعض الدول بحظر منصات ألعاب شهيرة، نظراً لاحتوائها على مضامين لا تليق تربوياً، موجة واسعة من النقاشات حول مدى خطورة هذا الانغماس الرقمي على التنشئة السليمة والتقويم السلوكي للأبناء.
وفي هذا السياق، أشارت الدكتورة هبة شمندي، المتخصصة في الصحة النفسية، إلى أن الأمر يتجاوز حدود الترفيه أو تنمية المهارات العقلية؛ فالكثير من هذه الألعاب باتت بمثابة قنوات تمرر رسائل خفية تعيد تشكيل منظومة القيم لدى الطفل. وتعتمد هذه البرمجيات على هندسة نفسية دقيقة ترتكز على نظام المكافآت الفورية والإثارة المتصاعدة، مما يخلق حالة من التعلق الشديد قد ترقى إلى مستوى الإدمان، وتجعل الطفل عرضة لتبني سلوكيات عنيفة أو مفاهيم تتنافى مع ثقافة مجتمعه، خاصة في غياب الدور الرقابي للأسرة.
ولا تقف التبعات السلبية عند حدود التغيير السلوكي الظاهر، بل تمتد لتشمل أضراراً أعمق تتمثل في الانعزال الاجتماعي وفقدان مهارات التواصل الحي، فضلاً عن التأثير المباشر على التحصيل الدراسي وانتظام النوم. كما حذرت بعض الأبحاث من أن الإفراط في اللعب قد يعيق نمو مراكز التركيز واتخاذ القرار في الدماغ، مما يؤدي إلى تباعد المسافة النفسية بين الطفل وأسرته وقبوله لافتراضات غير واقعية.
ومن وجهة نظر الخبراء، فإن الاعتماد على سياسة المنع والحجب وحدها لا يمثل حلاً جذرياً للمشكلة، بل هو إجراء مؤقت. يكمن الحل الفعلي في بناء وعي أسري متين، يعتمد على انتقاء المحتوى المناسب للمرحلة العمرية، وتقنين ساعات اللعب، بالإضافة إلى ضرورة مشاركة الأهل لأبنائهم في فهم هذا العالم الرقمي. وتظل الوقاية الحقيقية مرهونة بفتح قنوات حوار هادئة مع الأبناء، وتشجيعهم على الانخراط في بدائل مفيدة كالرياضة والمطالعة، فالألعاب ليست شراً مطلقاً، ولكنها تغدو خطراً داهماً إذا تُركت دون توجيه سليم.
التعليقات