قد يمر عليكِ وقت تشعرين فيه بأن روحكِ مُثقلة بأحمال لا تُرى، فتفتحين عينيكِ في الصباح بلا أي دافع، ورغم خلو جسدكِ من الأمراض العضوية الواضحة كالحمى أو الصداع، إلا أنكِ تجرين خطواتكِ بصعوبة بالغة. قد تواصلين حياتكِ بشكل ظاهري طبيعي، تبتسمين وتنجزين ما عليكِ، لكنكِ من الداخل تشعرين بخواء كبير وكأن طاقتكِ قد نضبت تماماً. هذه الحالة ليست نوعاً من الدلال أو الكسل كما قد يظن البعض، بل هي استنزاف عاطفي حقيقي ناتج عن تراكمات طويلة من الضغوط الحياتية والمهنية والأسرية التي لم يتم التعامل معها وتفريغها أولاً بأول.
يكمن الخطر الحقيقي لهذا الاستنزاف في أنه لا يهجم فجأة، بل يتسرب إلى حياتكِ بهدوء ومكر حتى يصبح هو الوضع المعتاد الذي تتأقلمين معه دون وعي. يبدأ الأمر بشعور طفيف بالإجهاد، يتطور تدريجياً ليفقدكِ الشغف والمتعة في الأشياء التي لطالما أحببتيها، فتتحول التفاصيل الصغيرة إلى أعباء ثقيلة، ويصبح اتخاذ أبسط القرارات معركة نفسية، وكأنكِ مطالبة دائماً بلعب دور البطلة الصامدة التي تحمل هموم الجميع بينما لا يلتفت لآلامها أحد. وفي ظل هذه الدوامة، تجد المرأة نفسها الأكثر عرضة لهذا النوع من الإنهاك، نظراً لتعدد الأدوار التي تلعبها يومياً وتداخلها، وسط توقعات مجتمعية تطالبها بالعطاء المستمر بلا حدود، مما يلغي مساحتها الشخصية للراحة.
لا يقتصر أثر هذا الإنهاك على الحالة المزاجية فحسب، بل يرسل الجسد إشارات استغاثة واضحة لا ينبغي تجاهلها، مثل الاستيقاظ بجسد منهك مهما طالت ساعات النوم، أو المعاناة من آلام جسدية غير مفسرة كاضطرابات المعدة والصداع المتكرر. كما تتغير الطباع لتصبحي أكثر حدة وعصبية تجاه المواقف البسيطة، أو تميلين للانعزال والهروب من التجمعات البشرية، ويرافق ذلك شعور قاسٍ بالذنب كلما فكرتِ في اختلاس لحظات من الهدوء لنفسك. هذه المؤشرات ليست مجرد ضغط عابر، بل هي إنذار بأن مخزونك النفسي يوشك على النفاد، وقد يكون ذلك بوابة للدخول في نفق الاكتئاب إذا لم يتم تدارك الأمر، فالفرق بينهما دقيق؛ حيث يؤدي المصاب بالإنهاك وظائفه بآلية وبلا روح، بينما قد يعجز المكتئب عن أدائها من الأساس.
ويعود انتشار هذه الظاهرة بشكل لافت في عصرنا الحالي إلى إيقاع الحياة اللاهث والمقارنات المستمرة التي تفرضها الصور المثالية الخادعة على منصات التواصل، مما يغرس في النفوس شعوراً دائماً بالتقصير وعدم الكفاية. وللخروج من هذا النفق، يجب البدء بخطوة شجاعة تتمثل في الاعتراف بالألم والتوقف عن المكابرة، وإدراك أن العناية بالنفس ليست رفاهية أو أنانية، بل هي الوقود الضروري لاستمرار الرحلة. يتطلب العلاج إعادة ترتيب الأولويات، وتعلم مهارة الرفض وقول “لا” للمهام التي تفوق الطاقة، والتخلي عن وهم إرضاء الجميع، بالإضافة إلى ضرورة البحث عن مساحات للتفريغ النفسي سواء بالحديث مع مقربين أو استشارة متخصصين، فالحقيقة الثابتة هي أنك لن تتمكني من رعاية من حولك إذا كنتِ تغرقين بصمت من الداخل.
التعليقات