في خضم انشغالاتنا اليومية، كثيرًا ما نتغافل عن إشارة صامتة يطلقها الجسد، قد تكون نذيرًا لمتاعب صحية أعمق مما نتصور. يتمثل هذا الإنذار في تلك الحالة من الإعياء الدائم الذي لا مبرر له، حيث يشعر المرء بانخفاض حاد في طاقته لا يتبدد بالنوم العميق ولا بالاسترخاء، بل يظل ملازمًا له طوال الوقت بلا سبب ظاهري. وهذا الشعور بالثقل لا يرتبط بجهد شاق أو يوم عمل مضنٍ، بل يداهم الإنسان حتى في أوقات سكونه، محولًا أبسط الواجبات الروتينية إلى عبء ثقيل، ومُلقيًا بظلاله على الصفاء الذهني والحالة المزاجية، مما يعيق سير الحياة بوتيرتها الطبيعية.
يختلف هذا النوع من التعب جذريًا عن الإرهاق الطبيعي المعتاد، فهو استنزاف كامل للطاقة الجسدية والذهنية يمتد لأسابيع، ويقف أمامه النوم والإجازات عاجزين عن تقديم الحل. يشعر المصاب به وكأن مخزون طاقته قد نفد تمامًا رغم عدم بذله أي مجهود يفسر هذا الانهاك، حيث يظهر فجأة ويستمر كضيف ثقيل بلا تفسير منطقي. وتبدأ الحكاية عادةً بشكل مخادع؛ مجرد ثقل في الأطراف، أو صعوبة بالغة في مغادرة الفراش صباحًا، مع رغبة ملحة في النوم لا تنقطع. ومع مرور الوقت، يتجاوز الأمر الجسد ليضرب القدرات العقلية، فيضعف التركيز وتتأثر الذاكرة، ويتراجع الأداء العام مصحوبًا بحالة من الضيق والتوتر السريع.
المشكلة الحقيقية تكمن في تجاهل هذه المرحلة واعتبارها سحابة صيف عابرة، بينما هي في الواقع انتقال للجسد من طور التحمل إلى طور إطلاق صافرات الإنذار. فإذا استمر التجاهل، يبدأ الجسم في دفع ضريبة باهظة قد تتجلى في انهيار تام للطاقة يعجز معه المرء عن إدارة شؤونه، وتفاقم لاضطرابات النوم، وضعف ملحوظ في المناعة يفتح الباب للأمراض المتكررة. بل قد يتطور الأمر ليمس صحة القلب وضغط الدم، أو يؤدي إلى نوبات اكتئاب وقلق مباغتة، وصولًا إلى توقف الجسم الإجباري عبر أزمة صحية طارئة، ليتحول ما كان مجرد “شعور بالتعب” إلى مرض واقعي ملموس.
لذلك، يُجمع الأطباء على أن هذا الخمول المستمر هو بمثابة “جرس إنذار مبكر” يسبق ظهور الأمراض بشكل صريح، وأن التعامل الفوري معه قد يقطع الطريق على مضاعفات صحية مزمنة. وتدخل الحالة في دائرة الخطر الحقيقي عندما يتواصل الإعياء لأكثر من أسبوعين دون أي بوادر للتحسن، أو حين يبدأ في هدم استقرار الحياة المهنية والنفسية؛ ففي تلك اللحظة، يتوقف التحمل عن كونه فضيلة، ويصبح مجازفة خطرة بالصحة لا تُحمد عقباها.
التعليقات