مع حلول موسم البرد القارس، يصبح البحث عن الدفء أولوية قصوى، حيث يمثل الوقوف تحت دفقات المياه الساخنة ملاذًا يوميًا للكثيرين بحثًا عن الاسترخاء والسكينة. ورغم الشعور اللحظي بالراحة الذي توفره هذه العادة، إلا أنها قد تخفي وراءها تبعات صحية غير محمودة، خاصة عندما تتجاوز حرارة المياه الحدود المعقولة أو تطول فترة التعرض لها، مما يحول هذه المتعة البسيطة إلى مصدر محتمل للمتاعب الجسدية.
يُعد الجلد المتضرر الأول من ارتفاع درجات الحرارة، حيث تعمل المياه الشديدة السخونة على تجريد البشرة بقسوة من زيوتها الطبيعية التي تشكل خط الدفاع الأول للحفاظ على الرطوبة. هذه العملية تؤدي حتمًا إلى جفاف البشرة وتشققها، مما يثير نوبات من الحكة المزعجة، وقد يصل الأمر إلى تضرر الحاجز الوقائي للجلد، مما يجعله فريسة سهلة للالتهابات. وتزداد وطأة هذه التأثيرات على الأشخاص المصابين بأمراض جلدية مثل الصدفية أو الإكزيما، إذ تعمل الحرارة كمحفز قوي للتهيج والاحمرار، مما يفاقم الأعراض ويزيد من حدة المعاناة بدلاً من تخفيفها.
لا تقتصر التأثيرات السلبية على السطح الخارجي للجسم فحسب، بل تمتد لتشمل الدورة الدموية وصحة القلب. فالحرارة العالية تؤدي إلى توسع سريع في الأوعية الدموية، ما قد يتسبب في هبوط مفاجئ في ضغط الدم، وهو أمر قد يشعر معه الشخص بالدوار أو فقدان التوازن، مما يرفع احتمالية السقوط والتعرض للإصابات داخل الحمام. بالإضافة إلى ذلك، يضطر القلب لبذل مجهود مضاعف لمواكبة هذه التغيرات، مما يرفع معدل النبض ويشكل عبئًا إضافيًا قد يكون خطيرًا على من يعانون من مشاكل قلبية سابقة أو ضعف في الدورة الدموية.
ومن ناحية أخرى، ينال الشعر نصيبه من الضرر، حيث يؤدي الماء المغلي إلى إضعاف البصيلات وجفاف فروة الرأس، مما يمهد الطريق لظهور القشرة وتساقط الشعر وفقدانه لبريقه وحيويته. كما أن الاعتقاد السائد بأن الماء الساخن يقوي المناعة هو اعتقاد خاطئ؛ فالخروج من بيئة مشبعة بالبخار الساخن إلى الهواء البارد يعرض الجسم لصدمة حرارية تضعف قدرته على المقاومة وتجعله أكثر عرضة لنزلات البرد، فضلاً عن أن كثافة البخار قد تسبب ضيقًا في التنفس وتهيجًا لمرضى الربو والحساسية.
لتفادي هذه المخاطر والحصول على تجربة آمنة، يُنصح دائمًا بالاعتدال من خلال استخدام مياه فاترة بدلاً من الساخنة جدًا، وتقليص مدة الاستحمام بحيث لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة. كما يُفضل استخدام منظفات لطيفة لا تسبب الجفاف، مع ضرورة ترطيب الجسم بالكريمات المناسبة فور الانتهاء لحبس الرطوبة داخل الجلد. وفيما يخص العناية بالشعر، يُستحسن شطفه بماء بارد في النهاية لغلق المسام والحفاظ على قوته ولمعانه.
التعليقات