باتت مشاكل العمود الفقري، وتحديداً ما يُعرف بالديسك أو الانزلاق الغضروفي، ضريبة صحية يدفعها الكثيرون في عصرنا الحالي نتيجة أنماط الحياة المستقرة، وهي حالة طبية تنشأ عندما تخرج الوسائد الهلامية الفاصلة بين الفقرات عن موضعها الطبيعي أو تتعرض للتمزق، مما يولد ضغطاً مباشراً على الشبكة العصبية المحيطة، لينتج عن ذلك شعور بالألم قد لا يقتصر على الظهر فحسب، بل يمتد ليشمل مناطق متفرقة من الجسد، ورغم أن هذه الإصابة قد تواجه أي شخص، إلا أنها أكثر شيوعاً بين الفئات البالغة.

وتتضافر عدة عوامل لتجعل الإنسان عرضة لهذه الإصابة، لعل أبرزها الممارسات اليومية الخاطئة مثل اتخاذ وضعيات جلوس غير صحية لساعات طويلة أمام شاشات الأجهزة، أو التعامل بعنف مع الأوزان الثقيلة ومحاولة رفعها دون حماية الظهر، كما يلعب الوزن الزائد دوراً سلبياً بزيادة العبء الملقى على الفقرات، ناهيك عن دور التقدم في السن وما يصحبه من ضعف طبيعي في الأنسجة، إضافة إلى الخمول البدني الذي يؤدي إلى ترهل العضلات الداعمة للعمود الفقري، وقد تحدث الإصابة أحياناً نتيجة حركة فجائية غير محسوبة أو حادث عارض.

وعادة ما يرسل الجسم إشارات تنبيهية مبكرة تشي بوجود مشكلة، حيث يبدأ المصاب غالباً بالشعور بنوبات ألم تتركز في أسفل الظهر أو منطقة الرقبة، وقد يتطور الأمر ليحس بتنميل أو خدر يسري في الأطراف العلوية أو السفلية، ومن العلامات الشائعة أيضاً تراجع قوة العضلات وصعوبة القيام بمهام حركية بسيطة مثل الانحناء، فضلاً عن تفاقم الأوجاع عند الثبات في وضعية واحدة، سواء كان ذلك وقوفاً أو جلوساً لفترات ممتدة.

أما فيما يخص رحلة التعافي، فهي تعتمد كلياً على تقييم الطبيب لحدة الحالة ومدى تطورها؛ فغالباً ما تكون البداية عبر حلول تحفظية تتضمن الخلود للراحة لفترة مؤقتة لتخفيف الضغط، والاستعانة ببعض العقاقير الطبية التي تسكّن الألم وتهدئ الالتهاب، وذلك بالتزامن مع برنامج مخصص للعلاج الطبيعي يستهدف استعادة مرونة الجسم وتقوية بنيته العضلية، كما يُنصح دائماً بتخفيف الوزن لتقليل الأحمال الميكانيكية على الظهر، وفي حال لم تأتِ هذه المحاولات الأولية بالنتائج المرجوة، قد ينتقل الخيار الطبي إلى الحقن الموضعية العلاجية أو اللجوء إلى التدخل الجراحي كحل نهائي لاستعادة العافية.

ولتجنب الوصول إلى هذه المرحلة المؤلمة، يبقى نهج الوقاية هو الحصن المنيع، وذلك يكمن في تبني أسلوب حياة نشط يعتمد على الحركة المستمرة وممارسة الرياضة بانتظام لتدعيم العضلات، والحرص على القوام السليم والاستقامة أثناء الجلوس، والابتعاد تماماً عن رفع الأثقال بطرق عشوائية ومفاجئة، مع ضرورة مراقبة الوزن والحفاظ عليه ضمن الحدود الطبيعية لضمان صحة العمود الفقري وسلامته على المدى الطويل.