كثيراً ما تسير الروابط العاطفية بهدوء حتى يصطدم الطرف الأنثوي بتراجع غامض وانطواء مفاجئ من شريكها، لتجد نفسها غارقة في دوامة من الحيرة والأسئلة حول الأسباب الخفية وراء هذا الجفاء. غير أن خبراء الصحة النفسية يؤكدون أن هذا الجدار الجليدي الذي يبنيه الرجل فجأة لا يُخلق من العدم، بل تكمن وراءه دوافع سيكولوجية معقدة وأعباء صامتة يعجز عن البوح بها، مما يحتم ضرورة الغوص في أعماق هذه التصرفات لفهمها واستيعاب مجريات الأمور.
تتعدد الجذور الخفية لهذا الانطواء، فقد يكون الشريك واقعاً تحت وطأة أزمات حياتية طاحنة، سواء كانت مهنية أو مادية، تدفعه للتقوقع على ذاته كآلية دفاعية بدلاً من إشراك الطرف الآخر في همومه. وعلاوة على ذلك، يفتقر البعض إلى مهارة الترجمة اللفظية لمشاعرهم، فيختارون الصمت المطبق هرباً من المواجهات المباشرة. وفي أحيان أخرى، يمثل هذا الابتعاد محاولة لاختلاس بعض الوقت والمساحة الشخصية بغرض مراجعة الذات، واختبار مدى صدق العواطف قبل حسم قرار الاستمرار في هذه الشراكة.
من ناحية أخرى، قد تنبع هذه الفجوة من طبيعة الروابط المشتركة ذاتها، إذ يرتعب بعض الأشخاص من شبح الارتباط الرسمي وتزايد حجم المسؤولية، فيلوذون بالفرار بمجرد أن تتخذ الأمور مساراً أكثر جدية. كما أن غياب التقدير وجفاف بيئة الحب من ملامح الامتنان كفيلان بإطفاء شعلة الحماس لديه، لاسيما إن تغلغل الركود وتلاشت شرارة البدايات. ولا يمكن إغفال ميل البعض لاتخاذ دروب الهرب تجنباً لأي صدامات أو نقاشات حادة، فضلاً عن الاحتمال القاسي والمتمثل في تشتت الانتباه العاطفي وتوجيه البوصلة نحو اهتمامات أو أشخاص جدد.
ولمواجهة هذه المرحلة الضبابية، يُنصح بالتحلي بأقصى درجات الحكمة والاتزان الانفعالي، مبتعدة تماماً عن أساليب الملاحقة الخانقة أو الاستجواب المستمر. إن منح الشريك المساحة التي يطلبها يجب أن يتزامن مع إعادة توجيه طاقة المرأة نحو ذاتها ورعاية شؤونها الخاصة. وحينما تسمح الظروف، يمكن خلق مسار هادئ لتبادل الحديث بشفافية، مع إبقاء العين يقظة لمراقبة التصرفات العملية على أرض الواقع، فهي المعيار الحقيقي الذي يفضح النوايا الصادقة ويكشف ما تعجز الألسنة عن قوله.
التعليقات