لم يعد التلوث البلاستيكي مقتصراً على المحيطات والكائنات البحرية كما كان يُعتقد سابقاً، بل بات ضيفاً ثقيلاً وغير مرئي يغزو موائدنا اليومية. تشير الدراسات الحديثة إلى أن الجسيمات الدقيقة لهذه المادة الصناعية قد تغلغلت في أصناف متنوعة من الأطعمة والمشروبات، مما يثير مخاوف جدية لدى المتخصصين في مجالات البيئة والصحة العامة حول حجم استهلاكنا اليومي للبلاستيك دون أن نشعر، حيث تنتقل هذه الجزيئات عبر سلاسل الغذاء ومراحل التصنيع المختلفة لتستقر في أطباقنا.

وفي هذا السياق، يسلط خبراء الهندسة البيئية الضوء على مصادر غير متوقعة لهذا التلوث؛ فعلى سبيل المثال، تُعد “العلكة” مصدراً مباشراً للجسيمات الدقيقة، إذ تعتمد في تكوينها الأساسي غالباً على مواد مطاطية أو بلاستيكية تطلق مئات الجزيئات داخل الفم بمجرد البدء في مضغها، ناهيك عن التلوث الإضافي الذي قد ينتج عن عمليات التغليف والتصنيع. ولا يتوقف الأمر عند الحلويات، بل يمتد ليشمل الملح الذي نستخدمه يومياً، حيث أثبتت الفحوصات العالمية أن الغالبية العظمى من منتجات الملح ملوثة، والمفارقة أن الأملاح المستخرجة من باطن الأرض، كملح الهيمالايا، قد تحتوي على نسب تلوث تفوق تلك المستخرجة من البحار، كما تلعب أدوات الطحن البلاستيكية دوراً سلبياً في زيادة تطاير هذه الجزيئات واختلاطها بالطعام.

وتمتد القائمة لتشمل المحاصيل الزراعية، حيث تمتلك الجزيئات البلاستيكية، وخاصة المتناهية الصغر منها، القدرة على التسلل إلى داخل النباتات عبر الجذور أو الاستقرار على قشورها، وقد وُجدت بتركيزات متفاوتة في الفواكه والخضروات مثل الجزر والتفاح، إلا أن القيمة الغذائية العالية لهذه الأطعمة وما تحتويه من مضادات أكسدة تجعل فوائدها الصحية تفوق المخاطر المحتملة لهذا التلوث. وعلى صعيد المشروبات، تلعب الحرارة دوراً محفزاً لانفصال الجزيئات البلاستيكية، مما يجعل المشروبات الساخنة كالشاي والقهوة أكثر عرضة للتلوث مقارنة بالباردة، خاصة عند استخدام أكياس الشاي البلاستيكية أو الأكواب ذات الاستخدام الواحد، حيث يمكن لكوب واحد أن يحتوي على مليارات الجزيئات، وهو رقم يفوق بكثير ما قد نجده في بعض المأكولات البحرية التي طالما ارتبط اسمها بهذا النوع من التلوث.

وللحد من هذا التعرض المستمر للبلاستيك في نظامنا الغذائي، يوصي الخبراء بتبني عادات وقائية واعية، أبرزها تجنب تعريض الأوعية البلاستيكية للحرارة داخل أجهزة الميكروويف واستبدالها بالزجاج أو الستانلس ستيل، والابتعاد قدر الإمكان عن الأطعمة المعالجة والمغلفة صناعياً. كما يُنصح بالاعتماد على مياه الصنبور المفلترة بدلاً من المياه المعبأة في زجاجات بلاستيكية، حيث أظهرت التحليلات أن اللتر الواحد من المياه المعبأة قد يحوي مئات الآلاف من الجزيئات الدقيقة، مما يجعل التغييرات البسيطة في طرق التحضير والتخزين خطوة ضرورية لحماية الصحة.