يسود اعتقاد خاطئ لدى الكثيرين بأن الحياة العائلية المثالية هي تلك التي تخلو تماماً من المشاحنات، وكأن الهدوء الدائم هو الدليل الوحيد على السعادة. غير أن الدكتور محمد هاني، الخبير في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية، يرى الأمور بمنظور مغاير؛ فغياب الجدال لا يعكس بالضرورة وجود علاقة صحية، بل قد يكون مؤشراً على كبت المشاعر أو رغبة في الهروب من المواجهة. وهنا يكمن الفارق الجوهري بين “التناغم” الذي يُبنى على المصارحة والاحترام، وبين “الصمت” الذي يُستخدم كدرع لتجنب الصدام، خصوصاً في الأوقات التي قد تضيق فيها الصدور ويقل فيها التحمل.

وفي عصرنا الحالي، قد يخدعنا هدوء بعض البيوت، بينما هو في الواقع نتاج لانشغال كل فرد بعالمه الرقمي عبر الهواتف أو الغرق في أعباء العمل، مما يخلق عزلة شعورية وفجوة في التواصل الحقيقي رغم التواجد الجسدي في مكان واحد. وعليه، فإن وجود الخلافات ليس شراً محضاً، بل إن طريقة التعامل معها هي التي تحدد مسار العلاقة؛ فالنقاش المتحضر والهادئ يحول الاختلاف من أزمة إلى جسر للتقارب وفهم أعمق لدواخل الطرف الآخر.

ولتعزيز هذا الترابط وإعادة الدفء للأوصال الأسرية، ينبغي اعتماد ممارسات يومية واعية، مثل تخصيص وقت مقدس للحوار المباشر بعيداً عن تشويش الأجهزة الإلكترونية، وتشجيع أفراد الأسرة على الإفصاح عن عواطفهم وما يجول بخواطرهم في بيئة آمنة تخلو من السخرية أو التقليل من الشأن، مع ضرورة وضع أطر واضحة للنقاش تضمن احترام الجميع. في المحصلة، البيت السوي ليس ذلك الذي يهرب من الخلافات أو ينكر وجودها، بل هو البيت الذي يمتلك النضج الكافي لاحتوائها وإدارتها بحكمة ومودة.