خلف كل رياضة نمارسها أو نشاهدها اليوم رحلة طويلة من التطور، بدأت بفكرة عابرة أو حاجة إنسانية ثم تبلورت عبر العصور لتصبح نظاماً دقيقاً تحكمه القوانين واللوائح؛ ولأن معرفة الأصول تزيد من تقديرنا لهذه الألعاب، فإننا نبحر في أعماق التاريخ لاستكشاف بداياتها. عند الحديث عن فنون الدفاع عن النفس، يبرز “التايكوندو” كواحد من أبرز هذه الفنون التي تعود جذورها التاريخية العميقة إلى حقبة مملكة “كوجوريو” القديمة في ما يعرف اليوم بكوريا، حيث لم تكن هذه الرياضة في بداياتها مجرد وسيلة للقتال فحسب، بل كانت جزءاً أصيلاً من النسيج الثقافي والروحي، تُمارس بانتظام ضمن الطقوس الدينية وتتناغم حركاتها مع الإيقاعات الموسيقية التقليدية السائدة آنذاك.

لقد تجاوزت هذه الممارسة كونها حكراً على المحاربين، إذ انخرطت فيها مختلف فئات المجتمع من رجال ونساء، وحتى الأطفال وكبار السن، مدفوعين بجماليات حركاتها ورغبتهم الفطرية في تعلم سبل حماية الذات واكتساب المهارات البدنية. ومع مرور الزمن، لعبت كوريا الجنوبية الدور المحوري في الحفاظ على هذا الإرث وتطويره، حيث عمل خبراؤها بجد لنقل هذا الفن المحلي من حيزه الجغرافي الضيق إلى الساحة العالمية، وهو الجهد الذي تكلل بالنجاح من خلال تأسيس مظلة دولية رسمية للعبة واتخاذ كوريا مركزاً رئيسياً لها في مطلع سبعينيات القرن الماضي، لتصبح بذلك رياضة عالمية لها مكانتها المرموقة.

ومن الناحية اللغوية والفلسفية، يعكس اسم اللعبة جوهرها بدقة متناهية، فهو مزيج لغوي يتكون من ثلاثة مقاطع مترابطة؛ حيث يشير المقطع الأول “تاي” إلى مهارة استخدام القدمين والركل، وهي السمة التي تمنح هذه الرياضة طابعها المميز وتفوقها التقني مقارنة بغيرها، بينما يرمز المقطع الثاني “كوان” إلى استخدام قبضة اليد واللكم، أما المقطع الأخير “دو” فيحمل بعداً فكرياً يعني “الطريقة” أو “النهج”، وهو مصطلح فلسفي يتكرر في مسميات العديد من الفنون القتالية الأخرى كالجودو والأيكيدو، ليجتمع في النهاية معنى التناغم بين القوة الجسدية والانضباط العقلي في اسم واحد.