مع حلول مواسم البدايات الجديدة، تشتعل في داخلنا رغبة عارمة لإحداث تغيير جذري في صحتنا، فنسعى لاستعادة النشاط والتخلص من الوزن الزائد، ولكن سرعان ما يصطدم هذا الاندفاع بجدار الواقع. وفي هذا الصدد، يرى الدكتور معتز القيعي أن تلاشي العزيمة بعد فترة وجيزة يعود أساساً إلى الوقوع في فخ الحماس المفرط الذي يدفعنا لتبني خطط تعجيزية وأنظمة حرمان صارمة يستحيل التعايش معها لفترات طويلة، مما يؤدي إلى نتائج عكسية وفقدان الرغبة في الاستمرار.
ويؤكد خبراء التغذية أن السر يكمن في تغيير النظرة إلى الطعام باعتباره نمط حياة دائم وليس مجرد مرحلة مؤقتة، فالانطلاق الذكي يبدأ من التعامل مع واقع الجسم الحالي بمرونة وواقعية، عبر إدخال تعديلات طفيفة ولكنها جوهرية، مثل تقليص استهلاك السكريات تدريجيًا، وضبط مواعيد الوجبات، وزيادة حصص الخضراوات، بدلاً من محاولة نسف العادات القديمة وتغييرها دفعة واحدة. كما تُعد العودة إلى الطبيعة في خياراتنا الغذائية ركيزة أساسية، من خلال تفضيل الأطعمة الطازجة من خضار وفاكهة ودهون صحية على تلك المصنعة والمعلبة المكتظة بالمواد الحافظة والسكريات الخفية.
ولا تقتصر المعادلة الصحية الناجحة على انتقاء نوعية الطعام فحسب، بل يمتد تأثيرها الجوهري إلى توقيت تناوله؛ إذ يُسهم تنظيم أوقات الوجبات وتجنب الأكل المتأخر ليلاً في تعزيز كفاءة الجهاز الهضمي ودعم التوازن الهرموني، بينما يؤدي الأكل العشوائي المستمر إلى استنزاف طاقة الجسم. وفي خضم ذلك، يغفل الكثيرون عن الدور المحوري للماء، حيث يؤدي نقص السوائل غالباً إلى إرسال المخ إشارات كاذبة بالجوع تدفع الشخص للإفراط في الأكل دون حاجة حقيقية، لذا فإن الحفاظ على الارتواء يعد سلاحاً فعالاً لزيادة التركيز وكبح الشهية المفتعلة.
وفي السياق ذاته، حذر “القيعي” بشدة من الانجراف وراء وعود “الدايت” السحري الذي يضمن نزولاً دراماتيكياً سريعاً في الوزن، مشيراً إلى أن هذه الحلول المؤقتة غالباً ما تنتهي بانتكاسة وزيادة أكبر في الوزن مصحوبة بمشاعر الإحباط. وتظل القاعدة الذهبية للوصول إلى العافية والاستقرار الصحي هي الرهان على الاستمرارية والوعي، فخطوة صغيرة مدروسة تواظب عليها، خير وأبقى من تغييرات عنيفة ومؤقتة، ومع الوقت سيلمس الإنسان فارقاً حقيقياً في راحته الجسدية ومستوى نشاطه العام.
التعليقات