يُجمع الخبراء على أن الحصول على قسطٍ كافٍ من الراحة ليلاً يشكل حجر الزاوية لصحة الإنسان وعافيته، ومع ذلك، يجد الملايين حول العالم أنفسهم في صراع يومي ومستمر مع الأرق أو عدم القدرة على الحفاظ على نوم متصل. وقد نبهت المؤسسات الطبية الكبرى إلى أن الحرمان المزمن من النوم لا يقتصر ضرره على الشعور بالإرهاق العابر، بل يمتد ليترك بصمات سلبية عميقة على الاستقرار النفسي والجسدي للفرد. وفي هذا الإطار، ترى المعالجة الأسرية إيما ماك آدم أن الاكتفاء بممارسة طقوس الاسترخاء قبيل التوجه للفراش قد لا يكون حلاً جذرياً للمشكلة، مشبهةً من يحاول إصلاح نومه في اللحظات الأخيرة كمن يبدأ التخطيط لتقاعده بعد فوات الأوان، حيث تؤكد أن صناعة الليلة الهادئة هي عملية تراكمية تبدأ فعلياً منذ لحظة الاستيقاظ صباحاً.
ولإعادة ضبط إيقاع الجسم الطبيعي، توصي الخبيرة باتباع نهج شامل يعتمد في المقام الأول على الانضباط الزمني، وتحديداً تثبيت موعد الاستيقاظ اليومي والتمسك به بصرامة حتى في أيام العطلات، معتبرة أن هذه الخطوة تفوق في أهميتها محاولة تحديد موعد صارم للنوم. ويتزامن هذا الالتزام مع ضرورة التوظيف الذكي للضوء؛ إذ يعمل التعرض لضوء النهار الطبيعي في الصباح الباكر على تحفيز هرمون الكورتيزول لتعزيز حالة اليقظة والنشاط، بينما يمهد الخفوت التدريجي للإضاءة والظلام مع حلول المساء الطريق لارتفاع مستويات هرمون الميلاتونين، مما يرسل إشارات كيميائية للدماغ بضرورة الاسترخاء والنعاس.
ولا تكتمل منظومة النوم الصحي دون دمج النشاط البدني في الروتين اليومي، فالحركة بأشكالها المتنوعة – سواء كانت عبر المشي، أو الرقص، أو حتى إنجاز المهام المنزلية المعتادة – تلعب دوراً محورياً في تهيئة الجسد للراحة العميقة، شريطة تجنب التمارين الرياضية العنيفة قبل موعد النوم مباشرة لتفادي استثارة الجسم بشكل مفرط. أما على الصعيد الذهني، ولمواجهة طوفان الأفكار والهواجس التي غالباً ما تداهم العقل عند وضع الرأس على الوسادة، تقترح ماك آدم استراتيجية ذكية تتمثل في تخصيص “وقت للمخاوف” أثناء ساعات النهار؛ وهي فترة محددة تُخصص لمعالجة المشكلات والضغوط، مما يساعد على تفريغ العقل من أثقاله ومنحه الهدوء والسكون اللازمين عند حلول المساء، وهو ما ينعكس بدوره إيجاباً على جودة الحياة والقدرة على التركيز.
التعليقات