سلطت أبحاث علمية حديثة صادرة عن جامعة شاندونغ الصينية الضوء على تداخلات معقدة بين النمط الغذائي والاستجابة المناعية للجسم، وعلاقة ذلك باحتمالات الإصابة باضطراب طيف التوحد. ولم تشر النتائج إلى أن الطعام يمثل سبباً مباشراً للإصابة، بل ركزت على وجود روابط بيولوجية دقيقة؛ حيث أظهرت التحليلات الجينية أن الأفراد الذين يعتمد نظامهم الغذائي بشكل مكثف على مصادر الجلوتين، مثل المعكرونة المحضرة من الحبوب الكاملة، أو المنتجات الغنية بالكازين كالجبن المصنع، قد يكونون أكثر عرضة لظهور مؤشرات التوحد مقارنة بغيرهم، وذلك نتيجة تأثيرات هذه الأطعمة على مسارات الالتهاب في الجهاز المناعي.
وفي المقابل، كشفت البيانات عن ملاحظات مثيرة للاهتمام تتعلق ببعض الفواكه، إذ تبين أن المعدلات المرتفعة لاستهلاك الموز ترتبط بانخفاض احتمالية الإصابة، ما يعزز الفرضية القائلة بأن نوعية الغذاء تلعب دوراً في تشكيل الاستجابة المناعية والهضمية لدى الفئات المعرضة للإصابة. وتأكيداً لهذه الفرضيات، أجرى الفريق مراجعة شاملة شملت مجموعة من الأطفال المصابين بالتوحد، تم تقسيمهم لمجموعتين؛ خضعت إحداهما لحمية صارمة خالية تماماً من الجلوتين ومنتجات الألبان لفترة امتدت لعدة أشهر، بينما استمرت المجموعة الأخرى على نظامها المعتاد.
ورغم أن النتائج لم تسجل تغيراً جوهرياً في السمات السلوكية الأساسية المصاحبة للتوحد لدى الأطفال الذين اتبعوا الحمية، إلا أن الفحوصات المخبرية أثبتت تحسناً واضحاً في صحتهم الداخلية، تمثل في انخفاض مستويات الأجسام المضادة المرتبطة بحساسية الطعام. وهذا يقود إلى استنتاج مفاده أن تعديل النظام الغذائي قد لا يعالج التوحد بحد ذاته، لكنه يساهم بفعالية في تحسين الصحة العامة وتخفيف الأعباء المناعية والالتهابية عن كاهل المصابين.
واختتم الخبراء توصياتهم بضرورة التعامل بحذر مع هذه النتائج، مؤكدين أن الحميات الغذائية المقيدة للأطفال في مراحل النمو يجب أن تخضع لإشراف دقيق لضمان عدم حدوث نقص في العناصر الغذائية الضرورية. فالهدف هو دعم صحة الجهاز الهضمي والمناعي كجزء من الرعاية الشاملة، مع الإدراك التام بأن الغذاء وحده ليس الحل السحري للعلاج، بل هو عامل مساعد ضمن منظومة صحية متكاملة.
التعليقات