يشتكي قطاع واسع من الناس، بمختلف فئاتهم العمرية، من آلام الرأس المستمرة التي تعكر صفو حياتهم اليومية وتحد من قدرتهم على الإنتاج والتركيز، وعادة ما تتجه أصابع الاتهام فوراً نحو مسببات تقليدية كالإرهاق الذهني، أو اضطرابات النوم، أو إجهاد العينين، وحتى نوعية الغذاء. ولكن، في خضم البحث عن الأسباب، يغيب عن أذهان الكثيرين عامل جوهري وبسيط للغاية، ألا وهو إهمال تزويد الجسم بحاجته الكافية من الماء. وفي هذا السياق، تنبه المتخصصة في التغذية السريرية إدوينا راج إلى أن اختلال توازن السوائل يعد محفزاً خفياً وشائعاً لهذه الأوجاع، مؤكدة أن الدماغ البشري يتسم بحساسية مفرطة تجاه أي نقص في مستويات الرطوبة، لدرجة أن حالات الجفاف الطفيفة قد تترجم سريعاً إلى أعراض مزعجة يتصدرها الصداع.
وبالنظر إلى التكوين البيولوجي للمخ، نجد أن الماء يشكل الغالبية العظمى من كتلته، مما يجعله يعتمد كلياً على التروية المستمرة للحفاظ على كفاءته الوظيفية؛ فعندما تشح السوائل، قد تتعرض أنسجة المخ لانكماش مؤقت يولد ضغطاً داخلياً وتوتراً في الأعصاب المحيطة، وهو ما يفسر الشعور بالألم. ولا يتوقف تأثير الجفاف عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل كفاءة الدورة الدموية، إذ يؤدي نقص الماء إلى انخفاض حجم الدم وصعوبة جريانه، مما يعيق وصول كميات كافية من الأكسجين إلى الخلايا الدماغية، وينتج عن ذلك شعور بالإعياء العام وضعف في القدرات الذهنية تزامناً مع نوبات الصداع.
علاوة على ذلك، يلعب الماء دوراً محورياً في ضبط توازن الأملاح والمعادن الدقيقة، كالصوديوم والبوتاسيوم، التي تعد الركيزة الأساسية لعمل الأعصاب والعضلات، وأي خلل في هذا التوازن نتيجة العطش قد يكون الشرارة التي تشعل فتيل الصداع وتشوش التفكير. كما أن لعملية التروية وظيفة حيوية أخرى لا تقل أهمية، وتتمثل في مساعدة الكلى على تنقية الجسم من الشوائب والفضلات الأيضية؛ فبدون كميات وافرة من الماء، تتباطأ عملية طرد السموم، مما يؤدي إلى تراكمها والشعور بالثقل. وقد لوحظ أن الكثيرين ممن عدلوا نمط حياتهم ليتضمن شرب الماء بانتظام، لمسوا تحسناً كبيراً وتلاشياً لتلك الأعراض، مما يجعل الحفاظ على رطوبة الجسم خطوة علاجية ووقائية بسيطة لاستعادة العافية والنشاط.
التعليقات